الرئيسية / كبار الكتاب / أحمد سليم … المستقبل يبنيه التحدي والمواجهة

أحمد سليم … المستقبل يبنيه التحدي والمواجهة

سكّن تسلم.. حكمة علمها لنا مدرس اللغة العربية وكان مسئولًا عن جماعة الخطابة والصحافة المدرسية، ولم نكن نحن الجيل الوحيد الذي تعلم هذه القاعدة اللغوية، التي تحولت بعد ذلك إلى ثقافة ‏وقاعدة حياتية لدى الكثيرين.. هذه القاعدة التي انتقلت من اللغة العربية إلى مجالات أخرى عديدة في الحياة طبقها الشعب وطبقتها الحكومات والرؤساء.‏
ابتعد الرئيس عبر سنوات حكمه سواء كان عبدالناصر أو السادات أو مبارك عن مواجهة حقيقية مع الأزمات الأشد خطورة داخل المجتمع خاصة الأزمات الاقتصادية، والتي بدورها تتحول إلى ‏أزمات اجتماعية وسياسية فعندما رفع وزير التموين في عهد عبدالناصر ثمن الشاي والسكر والأرز، رفض ناصر ذلك ليس فقط، لأنه زعيم يحس بالشعب ولكنه لم يرد أن ينقص من شعبيته شيئًا ‏وليدفع جيل آخر بعده الثمن.. وعندما تكرر ذلك في عهد السادات وخرجت الجماهير الغاضبة في يناير ١٩٧٧ ترفض رفع الدعم أو الاقتراب من ثمن الرغيف وأشياء أخرى تراجع السادات في ‏قرار شهير واصفًا الانتفاضة الشعبية بأنها انتفاضة حرامية، وقال إنه يعود إلى الشعب، ويحافظ على مصالحه وليثقل ميزان فاتورة الدعم وترحل الأزمة إلى عصر مبارك، والذي استمر ثلاثين عامًا ‏نجحت فيها الحكومة في تسكين الشعب وكل شىء.. نعم كانت هناك نسبة نمو متزايدة ولكن كانت هناك نسبة تنمية شبه متوقفة كانت هناك مستشفيات، ولكنها لا تقدم العلاج المطلوب، وكانت هناك ‏طرق لم تجد الصيانة وامتد أسلوب التسكين إلى الحياة السياسية فلم يكن هناك سوى حزب واحد معترف بأنه الحزب الرسمي المسموح له بأن يمتلك الأغلبية البرلمانية والأغلبية الحكومية المطلقة ‏ومقاعد الكبار في كل الوزارات، وفي المقابل لم تستطع أي من حكومات العصور السابقة فيما بعد يوليو ٥٢ أن تواجه عدة قضايا أهمها كان الدعم وخاصة دعم المحروقات الذي يمتد أثره إلى كل ‏المجالات.. الدعم لم يكن القضية الوحيدة التي طبق تجاهها مبدأ سكن تسلم.. ولكن ذلك امتد إلى التعليم فتردى وإلى الرياضة فتفشت فيها ظاهرة العنف في المدرجات والتي ارتبطت بإنشاء روابط ‏الأولتراس سواء كان أهلي أو زمالك أو مصري أو إسماعيلي أو اتحاد وانتقلت الأولتراس من ظاهرة ارتبطت بالرياضة إلى ظاهرة ارتبطت بالفنانين والمشاهير مع تنامي وانتشار وسائل التواصل ‏الاجتماعي.‏
ومرت مصر بمرحلة فوضى لم تسبق لها تاريخيًا مع أحداث يناير ٢٠١١ وحتى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ولم تتوقف الفوضى عند ذلك التاريخ بل امتدت تداعياتها حتى القريب.. وجاء الرئيس السيسي ‏ليختار الطريق الأصعب أن يواجه ما لم يستطع الآخرون مواجهته وأن يحسم القرارات الأخطر والأهم.. كان أمامه خيار أن يحافظ على شعبية جارفة اكتسبها من القضاء على الإخوان وإعادة ‏الاستقرار إلى مصر، وأن يكتفي بالقروض وتسكين الأحوال وزيادة المرتبات والدخول زيادة وهمية فترتفع نسبة التضخم والبطالة والنمو الكاذب وتدفع أجيالًا قادمة الفاتورة أيًا كان ثمنها. ‏
اختار الأصعب فقرر أن يواجه الفوضى في الشارع بإعادة الانضباط وإعادة هيبة الدولة وإعادة هيبة وزارة الداخلية وعاد الأمن شيئًا فشيئًا إلى مصر انتهت الاعتصامات أو أنهيت وتراجعت ‏مظاهرات العنف وعاد الأمان إلى الشارع المصري، وكان ذلك التحدي الأول، ولكن الرئيس اختار أيضًا ألا يواجه التحديات الواحد ثم الآخر بل اختار أن يواجه كل التحديات في آن واحد حتى لو خسر ‏شعبيته وسط طبقات هو يحبها ويريد لها مستقبلًا جيدًا، ولكن القرارات التي تُتخذ ربما تؤثر على ذلك الحب أو تلك الشعبية.. واجه الإرهاب في سيناء وفي أنحاء كثيرة في مصر واستطاعت القوات ‏المسلحة والشرطة أن تحصره في عدة كيلومترات وبؤر في أقصى شمال سيناء واستطاعت أن تمنع امتداده إلى مناطق أخرى، وأيضًا أن تغلق الأبواب أمام العائدين من سوريا والعراق عبر ليبيا أو ‏أنفاق غزة ومن جبل الحلال إلى المنطقة الغربية إلى أقصى مناطق الجنوب فرضت قواتنا المسلحة والشرطة سيطرتها وأمنت الشعب وظلت ظهيرًا قويًا ليس فقط في الحرب ضد الإرهاب، ولكن ‏في مواجهة كل التحديات الأخرى. ‏
اختار المواجهة في التعليم فبدأ وزير التربية والتعليم وضع أسس لنظام تعليمي يبني أجيالًا، ويبدأ مع طفل الحضانة لينشأ جيل جديد في المستقبل ننتظره جيلًا واعدًا بعد سنوات، وتعمل وزارات ‏كثيرة مع وزير التعليم؛ لإنجاح منظومة يتلقى فيها الطالب تعليمًا جيدًا، واختار الرئيس المواجهة في مجال الصحة فليس من المهم أن يكون لديك طالب نابغة ونظام تعليمي جيد دون أن يكون لديك ‏نظام صحي جيد ومن مواجهة فيروس سي، والتي تحولت مصر خلالها من بلد يصدر المرض إلى بلد ينهي المرض بين أبنائه بل يعالج أبناء أوطان أخرى. ‏
ومع تعليم جيد يبدأ مع الطفل ونظام علاجي يمتد إلى كل أفراد الشعب يتسع الأمل إلى خلف أسرة تقابل صعوبات الحياة بكرامة فيبدأ حملة تكافل وكرامة ويصل بها إلى الأسر والأمهات المعيلات ‏ثم ينطلق قطار الحماية الاجتماعية إلى فئات أخرى فيطلق مظلة شهادات أمان لتكفل حماية اجتماعية لفئة عمال اليومية أو التراحيل، كما كنا نطلق عليهم وتمتد إلى كل العمالة الموسمية، مواجهة ‏فوضى الأحزاب، التي وصل عددها إلى أكثر من ١٠٠ حزب، والتمهيد لحياة مستقرة سياسيًا واجتماعيًا.. اندماجات حدثت وأخرى والطريق حتى يستقر الوعي الحزبي وأظنه خلال شهور إن لم يكن ‏خلال أسابيع.. قوانين منظمة للإعلام ولحماية المستهلك والاستثمار.. روابط الفوضى الرياضية تحل نفسها بنفسها.. المجتمع والشعب والرئيس يتجهون إلى تأصيل حالة من الاستقرار والتمهيد لبناء ‏الدولة بعد الحفاظ على أركانها في سنوات أربع سابقة.‏
ويواجه الرئيس التحدي الأخطر والأهم في مجال الاقتصاد لتبدأ مرحلة إصلاح اقتصادي وإعادة تصحيح للأسعار منذ ٢٠١٦، ويتوقع لها خبراء كثيرون أن تؤتي ثمارها عبر سنوات ثمان أو أقل.. ‏ينطلق الرئيس بقطار التحدي في محطته الأهم لاستكمال الإصلاح الاقتصادي فيصلح خلل أسعار المحروقات وبعض السلع الأخرى.. القرار صعب، ولكنه استكمال مرحلة علاج مرضها الأصعب ‏لدينا معدل نمو وصل إلى ٥.٤٪، وفي المقابل انخفض معدل التضخم إلى ١٢.٩ ٪.. النمو الحاصل الآن يأتي من كل المجالات ولا يعتمد فقط على اقتصاد ريعي بل يعتمد على اقتصاد إنتاجي.. ‏معدل البطالة ينخفض الى ١٠.٦ ٪ بعد أن كان ١٣.٦ ٪.. فائض في ميزان المدفوعات.. زيادة الصادرات السلعية ١٢٪ ولكن الأهم أن أزمة الدعم لابد وأن تنتهي مرحلتها الأخيرة، وليس من ‏المعقول أن يصل ٤٠٪ من دعم الوقود إلى الطبقات الأكثر ثراء نعم لدينا ٨٣ اتفاقية بترول، ولدينا استثمارات تصل إلى ٢٢ مليار دولار ولدينا حقول ظهر وغرب الدلتا وأتول ونورس، ولكن لدينا دعم ‏يصل إلى عشرات المليارات.. وحتى ينجح التحدي يجب أن نتحمل ويجب أن ندرك أن كل جنيه سيقل في الدعم سيذهب إلى طفلك ليحسن مستوى تعليمه، وإليك لتجد علاجًا جيدًا وإلى أجيال في ‏المستقبل لتجد طريقًا سليمًا ومنزلًا وكرامة في العيش.. اختار الرئيس ألا يسكن ليسلم واختار التحدي والمواجهة، ونحن معه وسيأتي يوم لا يدفع فيه جيل قادم فاتورة تسكين وخوف لجيل سابق.‏

جريدة الدستور

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد … لماذا لا يعود الروس لشرم الشيخ؟

ربما لا يشكل استئناف الطيران العارض بين المدن الروسية والمدن المصرية مشكلة كبيرة في العلاقات …