الرئيسية / كبار الكتاب / أحمد سليم … سوريا بين فكي الكماشة وغصن الزيتون

أحمد سليم … سوريا بين فكي الكماشة وغصن الزيتون

منذ 500 عام كان الجيش العثماني الموجود في مناطق عفرين السورية يأكل وجبة شعبية يطلق عليها ” محاشي اسكليب ” وبعد يومين من انطلاق العملية العسكرية في عفرين أقامت فرقة الموسيقى العثمانية التابعة للبلدية ” هاثاى ” حفلا موسيقيا في مدينة ريحاني لرفع معنويات الجنود الأتراك المشاركين في حملة تركيا ضد شمال سوريا .. ومع نغمات الموسيقى العثمانية وتحت راية تحمل الشعار العثماني المرفوعة في مدينة ” كيليس ” تناول جنود أردوغان اليوم للمرة الأولى بعد 500 عام ” محاشي اسكليب ” في محاولة لإستعادة الأراضي التركية التي يقول عنها “دولت بهشلي” رئيس حزب الحركة القومية التركي إنها كانت تابعة لتركيا ونقلها ترسيم الحدود إلى سوريا ولكن تركيا قد تستعيدها لو صمم النظام على دعم الأكراد ..
ومن غوطة دمشق حيث يطبق الجيش العربي السوري خطة ” فكي الكماشة ” إلى عفرين حيث تنطلق حملة عسكرية تركية تحت شعار “غصن الزيتون ” تعيش سوريا معركة قدرية في قمة المأساة الإنسانية فمن كان يصدق أن غوطة دمشق بحدائقها الغناء وعفرين بجبالها الخضراء سوف تتحول إلى مناطق دمار شامل يموت فيها الرضيع أمام والديه فلا يجدون له حليبا وتموت الإبنة بين يدي أبيها لا يستطيع دفع الخطر عنها ولو للحظة .. هكذا يبدو الحال سوداويا في سوريا التي شهدت أكبر مسرح لتجربة أخطر الأسلحة في العالم بدءا من البراميل المتفجرة إلى استخدام الكيماوي عن طريق من ؟ لا نعرف الحقيقة الكاملة حتى الآن .. سوريا التي تشهد بالفعل منذ سبع سنوات ربما أسوأ سنوات تاريخها باعها بعض أبنائها إلى شيوخ خليجيين وجنود من غرب الدنيا وشرقها لتتحول حدائقها إلى معسكرات للإرهاب وتتحول آثارها وخزائنها إلى مسروقات تضاف إلى خزائن الغرب الذي لا يكتفي بسرقة البترول ولكنه يخطط لسرقة الوطن كله ..
منذ سبع سنوات انطلقت مظاهرات في درعا دعما لما سمي بالربيع العربي، وانطلق الشباب من درعا جنوبا إلى عفرين شمالا مرورا بأدلب والغوطة وحلب لتصل إلى دمشق وشيئا فشيئا تدخل كتائب داعش لتعلن الرقة عاصمة الخلافة الإسلامية بعد أن سيطر عليها تنظيم داعش الذي أطلق على نفسه اسم تنظيم الدولة الإسلامية وتولى رجال التنظيم إقامة الحياة الشرعية في مخيلتهم في دير الزور والرقة وحلب القديمة .. وفي المقابل يحاول الجيش السوري التماسك لسنوات طالت استعاد فيها بعضا من قوته وامتص صدمة الانقسام الذي أحدثه مؤسسو جيش سوريا الحر .. مرت الأزمة السورية بمراحل متعددة ما بين صراع بدأ داخليا بين كتائب انفصلت عن الجيش السوري مدعومة بفصائل مسلحة تسليحا خفيفا ثم معارك عنيفة استطاع بعدها تنظيم داعش السيطرة على حوالي نصف البلاد وباتت الحدود السورية التركية والسورية العراقية تحت سيطرة التنظيم الذي أصدر عملته الرسمية وتعامل كدولة تملك حق إصدار جوازات السفر والهوية، وأقام أقسام الشرطة وطبق الحدود الشرعية من وجهة نظره وبيعت نساء في سوريا كسبايا مثلهن في ذلك مثل ما حدث مع الأيزيديات في العراق وقاموا بتدمير المتاحف في تدمر وغيرها .. ولم يقتصر الحال على داعش بل ظهر تنظيم جبهة النصرة وغيره لتصل عدد الفصائل أكثر من مائة فصيل مسلح منهم من يستولى على قرية ومنهم من يستولى على إقليم .. تمزقت سوريا وكاد النظام السوري أن يسقط لولا تدخل روسي ودعم إيراني ووجود لحزب الله على الأرض ساعد الحلفاء بشار على الصمود ومعه أكثر من ثلثي الجيش السوري الأصلي لتبدأ بعد ذلك سلسلة من معارك استرداد الأرض من الفصائل وداعش، ومع العامين الأخيرين استطاع الجيش العربي السوري أن يحقق انتصارات متتالية لتبدأ القرى في العودة لسيطرته وتبدأ معركة حلب والتي شهدت مراحل في قمة العنف ودمرت أغلب أبنية حلب القديمة وتحولت الأقبية كما في الغوطة حاليا إلى ملاجئ للسكان ومرت معركة تحرير حلب بخطط مختلفة ما بين المعارك الجوية اليومية وبين قصف للمدفعية بشكل دائم وانطلاق حملات دعائية مولها إخوان سوريا والموالون للتنظيمات المسلحة تحت شعار “حلب تحترق” ونشروا الصور والفيديوهات لقتلى حلب ونسبوا للجيش العربي الكثير وبدعم عسكري روسي وصمود لوحدات الجيش السوري استطاعت قوات الجيش السوري استرداد حلب ومحيطها وأغلب ريفها ومع عودة حلب سقطت عاصمة الخلافة المزعومة في الرقة وتواصل سقوط التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا لتعود مرة ثانية الحدود السورية العراقية تحت سيطرة قوات العراقي والسوري وفي الشمال كان الأكراد يحققون انتصارات أخرى أقلقت تركيا وبدعم أمريكي كادت أن تنشأ دولة كردية تتمتع بحكم ذاتي وكان لابد لأردوغان أن يتدخل لأسباب عدة أنه يواجه لأول مرة قوات كردية مدعومة بوحدات من الجيش السوري يطلق عليها القوات الشعبية وسلمت قوات وحدات حماية الشعب الكردية مناطق في عفرين لوحدات من الجيش السوري وبدعم أمريكي وروسي يواجه الأكراد اليوم أردوغان في معركة مصيرية للطرفين فالأكراد لن يتركوا الأتراك يعودون إلى شمال البلاد بعد أن حققوا الانتصار على داعش وطردوهم ولن يسمحوا بانهيار الحكم الكردي والأتراك يعيشون هاجس الخوف من وجود كردي في شمال سوريا يمهد لقلاقل في الجنوب التركي .. وجود روسيا تحاول أن تضمن مكانا في الشمال السوري كما تم في أغلب البلاد والولايات المتحدة لا تريد أن تخرج خالية الوفاض من الصراع في سوريا فتبني عشرين قاعدة في الشمال السوري بينما تقبع القوات العسكرية الروسية في حميم واللاذقية وطرطوس ..
الوضع العسكري في سوريا أكثر تعقيدا من الوضع السياسي ففى الشمال اتفق أعداء الأمس الأكراد والجيش السوري على التناغم بينهما فالقوات السورية تسمح للوحدات الكردية بالمرور من مناطق تخضع لها دعما لوحدات أخرى في المعركة، ووحدات حماية الشعب الكردية تسلم قرى مثل “كفرحيفة” وقرى أخرى للقوات السورية لتتواجد القوات السورية في عدة أماكن بغرب عفرين ولتتقدم في راجو على قمة الجبل وباتجاه سهل باليا وتتبع هذه المنطقة حوالي 45 قرية و20 مزرعة بالإضافة إلى ناحية صلة الوصل أو شيخ الحديد وتضم 18 قرية وهي علي الحدود التركية وبذلك أمنت الفصائل الموالية للجيش السوري الطريق الواصل بين راجو في الشمال وجندريس في الجنوب الغربي في حين يسيطر الجيش التركي على 136 نقطة منها ( بولشك ) و ( اليجى ) التابعين لبلدة شران ..
في المقابل تبدو بعض الدلالات الخطرة منها تخفيف الضغط على بقايا داعش بعد سحب أكثر من 1700 مقاتل من الخطوط الأمامية في الرقة ودير الزور والحسكة للتوجه إلى عفرين للقتال ضد تركيا .. هذا التحرك يعطي لعناصر داعش قبلة الحياة في هذه المناطق بعد أن كاد تحريرها كاملا أن يتم مما يؤكد أن هناك تنسيقا بين جبهة النصرة والمخابرات التركية ..
ما يحدث في عفرين ألقى ظلاله على ما يحدث ليس في الرقة وحدها ولكن أيضا على الأوضاع في أدلب ومناطق من ريف حلب فقد استردت هيئة تحرير الشام ( بقيادة جبهة النصرة ) مناطق خسرتها من جبهة تحرير سوريا التي تقودها حركة أحرار الشام ذات النفوذ الواسع وجماعة نور الدين الزنكي قرب المنطقة الاستراتيجية على حدود تركيا وتحاول حركة أحرار الشام حاليا شن هجمات مضادة لاستعادة قرية لدسين قرب الحدود وتقدمت في مناطق أخرى منها معرة مصريني ..
السيناريو العسكري يشتبك في شمال سوريا في مناطق لصالح الهجمة التركية وفي أماكن أخرى لصالح الفصائل المؤيدة للجيش السوري مدعومة بوحدات حماية الشعب الكردية ..
ورغم ما يحدث في الشمال بعفرين فإن الجيش السوري يواصل تقدمه في غوطة دمشق وهي منطقة حماية بالنسبة له من خلالها يتم تأمين العاصمة السورية على الأكل من الهجمات اليومية الصاروخية التي تشن عليها ..
ورغم تشتت الجيش السوري في معارك متعددة إلا أنه استطاع السيطرة على ثلثي منطقة الغوطة في معركة وبخطط تشبه إلى حد كبير سيناريو معارك حلب بعد سيطرة جوية ودك بالمدفعية تمكنت القوات البرية من السيطرة على الشيفونية والنشابية وحزرما وهي مناطق مهمة بالقرب من حرستا ودوما كما سيطر على عدد من المزارع شرق بلدة الريحان وكذا بلدة المحمدية في الغوطة الشرقية .. وبنفس التكنيك السابق في حلب تلقى المروحيات يوميا في حلب منشورات لحث المدنيين على المغادرة بدلا من أن تتخذهم الفصائل دروعا بشرية وفي حين تفتح القوات السورية ممرات آمنة لخروج السكان وأيضا المسلحين وأسرهم يرفض المسلحون ذلك على أمل الصمود الذي أوشك على الانهيار وبعد ثمان مراحل للهدنة الإنسانية فشلت قوافل المساعدات الإنسانية في الوصول إلى قلب الغوطة وأكثر مناطقها تضررا ..
الوضع السوري المتشابك والمربك لأي حسابات جعل الأمل في حل سريع للأزمة السورية يتلاشى وإن كان الخيار العسكري ليس هو الحاسم فإن الخيار السياسي لن يستطيع الحسم ولابد من تدخل دولي يحسم المعركة على الأرض ويتيح الفرصة للدولة السورية ولكن الأطماع التركية والدعم القطري للفصائل والتواجد الإيراني والروسي والأمريكي والتهديد بالتدخل الفرنسي والبريطاني والإسرائيلي لن يسمح كل ذلك بهدوء قريب في سوريا .. كل ما نملكه هو الدعاء لهذا الشعب العربي العريق أن يتخطى المحنة وأن يعود الملايين من أبنائه اللاجئين والمشردين إلى منازلهم لعلهم يستطيعون تضميد جراح الباقين أو زيارة قبور الشهداء ..
سوريا الشقيقة ستظل تعاني لسنين طوال ولكن الشعب السوري الذي صمد كثيرا عبر التاريخ يستطيع عبور المحنة وربما يمتد بنا العمر لنرى غوطة دمشق وقد مسحت الدماء من على أوراق أشجارها وتعود مرة أخرى إلى حدائقها ..
جريدة الدستور

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

أحمد سليم … أين ذهبت الأحزاب؟

في أوائل القرن الثامن عشر، شهدت مصر أول فعالية سياسية بتشكيل مجلس نيابي حمل عبر …