الرئيسية / كبار الكتاب / أحمد سليم …قوتنا الناعمة السلاح الغائب

أحمد سليم …قوتنا الناعمة السلاح الغائب

مصر ليست تاريخ الفراعنة فقط، وقوتنا الناعمة ليست آثارهم فقط ولا حتى آثارنا الإسلامية أو المسيحية، مصر أيضًا تمتلك قوة ناعمة مهمة في تاريخها الحديث.. نمتلك تراثًا إذاعيًا وتلفزيونيًا.. نمتلك أفلامًا ومسلسلات وأغاني.. نمتلك قراءات وابتهالات.. وحتى العام الألفين كانت المنطقة العربية وإفريقيا وأجزاء من آسيا لا تعرف من التلاوة سوى قراءات محمد رفعت وعبدالباسط والحصري والمنشاوي وعشرات غيرهم.. كانت الحفلات تُقام لهم وكان الملوك والرؤساء على رأس مستقبليهم.. كان يكفي أن يُقال إن عبدالباسط في المسجد الأموي بدمشق أو أن الحصري في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو أن مصطفى إسماعيل هنا أو هناك، وحتى زيارات الشيخ محمود الطبلاوي لشرق آسيا وإفريقيا، كانت تحظى بملايين من المستمعين والمتابعين.. ليسوا هؤلاء فقط بل كانت ابتهالات النقشبندي وطوبار والسمكري وعمران والطوخي هي الرفيق لكثير من الليالي العربية.. دولة التلاوة التي كان دائمًا سلطانها من مصر تكاد تختفي مع ظهور لأجيال جديدة من الأصوات الخليجية تدعمهم رؤوس أموال كبيرة.. لا أُقلل من حلاوة الصوت لديهم ولا من صدق جمال التلاوة، ولكن ألفت النظر إلى أن هناك عشرات الأصوات في مصر من الأجيال الجديدة لا تقل عن آبائهم وسابقيهم من قراء القرآن الكريم في مصر، ولكن غياب الراعي أو الداعم لهم والاكتفاء بجهدهم الشخصي أو لعلاقة بعضهم بالعائلات الكبرى كان السبب وراء بعدهم عن المنافسة.

وجود قارئ قرآن أو مبتهل مصري في ليالي شرق آسيا وإفريقيا دعاية وتمكين لدور مصر في دول كثيرة.

الغياب ليس فقط عن دولة التلاوة، ولكن أيضًا غابت دولة الغناء والطرب، وأصبحنا ننتظر الأغنية من دول أخرى، فأصبح نجوم الغناء في العالم العربي يطربون بلهجات أخرى غير العامية المصرية.. نعم وراءهم مؤسسات وأشخاص وممولون يدفعون بالملايين لشراء الجوائز لهم وأحيانًا لشراء الحفلات بالكامل، ووضع محطات تلفزيونية وإذاعية قيد تصرف مديري أعمالهم، ولكن يبقى الصوت المصري الأصيل هو الحصان الرابح لو أُحسن استغلاله ورعايته.. لحقت الدراما للأسف بالتلاوة والطرب، ولم يعد المشاهد العربي يضبط ساعته على وقت إذاعة الهجان أو ليالي الحلمية، ولم تعد الشوارع تخلو من المارة ساعة بث المسلسل العربي الذي كان يكفيه أن يكون على تتر المسلسل قطاع الإنتاج- اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، كنا نسير في شوارع المغرب أو العراق فيسألوننا عن ممثلينا وهل نراهم وما هي أخبارهم، كان الإعلان عن حفل لأم كلثوم يكفي لأن يقطع المستمع العربي آلاف الكيلومترات، وأن يقف الرئيس التونسي في انتظارها، وأن تحمل سيارتها على الأعناق في شوراع العواصم العربية.. كنا نمتلك قوة ناعمة من تلاوة وابتهال وطرب ودراما وسينما فرطنا فيها عمدًا أو بحسن نية أو جريًا وراء مكاسب سريعة انتهت.. فرطنا في تراثنا السينمائي، وأصبحنا نجلس أمام قنوات خليجية تعيد عرض أفلامنا الأبيض والأسود بعد معالجتها نتحسر على أننا الذين أنتجنا وصورنا.

القوة الناعمة استغلتها تركيا فتضاعفت عندها السياحة، وكسبت المليارات بمسلسل تاريخي تم تصويره في قصور تاريخية، ونحن تركنا القصور التاريخية لتُقام فيها الأفراح ومنعنا التصوير إلا برسوم عالية وغالية وقيود اضطرت منتجو أفلام أجانب لبناء أهرامات في المغرب والتصوير هناك.. وضعنا قيودًا على استيراد الورق وضرائب على الأحبار ومواد الطباعة والنشر، وانظروا إلى معارض الكتب في الشارقة والرياض حتى أربيل العراق.

كيف إذن نستعيد قوتنا الناعمة ولا نبكي فقط.. الرئيس وهو يعيد بناء الدولة، أقام الجسور والطرق وأنشأ المدن الجديدة والذكية، ولكن مسؤولينا لم يفكروا أن يكون بكل مدينة جديدة أو حي أقيم مكان حي عشوائي أن تكون هناك دار للسينما أو مسرح صغير بجوار ملاعب الكرة، وأن يكون بيت الثقافة موجودًا بجوار المدرسة وأن تعود لمصر المسابقات لاختيار نجوم المستقبل، أن يكون بأجهزة الدولة كاشفون للنجوم يذهبون إلى القرى والأحياء الشعبية والمدن البعيدة عن القاهرة لاكتساب المواهب.

كيف نستعيد قوتنا الناعمة.. ماذا لو تبرع رجال الأعمال لشراء التراث وترميمه، ولدى الهيئة الوطنية للإعلام تراث إذاعي وتلفزيوني لو أُعيد اكتشافه ومعالجة ما تعرض له من سوء تخزين لكفاها الحاجة للاقتراض وسداد الديون.. لدى عائلات كبيرة في مصر تراث من حفلات خاصة لكبار المقرئين والمبتهلين والمطربين.. ماذا لو سلمتها لهيئة تقوم على حفظها ومعالجتها وإعادة بثها.

لدينا تراث فني وكتب ومكتبات لو أُحسن استغلاله سينافس الآثار القديمة في جذب المواطن المصري قبل السائح.

لماذا لا ننشئ وزارة للتراث بعيدًا عن وزارتي الثقافة والآثار أو هيئة للتراث تتبع رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء ويتبرع لها المصريون، وتقوم الهيئة بتجميع تراث المقرئين والمطربين والكتب النادرة والمكتبات التي امتلكها كبار مبدعينا، وتُركت أو أُهملت ويبحث العاملون فيها عن نسخ جريدة مصر السينمائية ونسخ الأفلام القديمة التي لم تُباع بعد ومخازن الكتب القديمة.. وفي المقابل لماذا لا يقوم رجال الأعمال بتمويل أعمال تاريخية تنتجها الدولة أو شركات الإنتاج الكبرى وتقدم لها أجهزة الدولة التسهيلات.. لدينا فيلم صلاح الدين ولا يوجد لدينا فيلم عن حرب أكتوبر المجيدة، صورنا لقطات ومشاهد لـ30 يونيو، ولم يقدم فيلم واحد عن ثورة وإرادة الشعب في استعادة دولته.. لدينا مصر جديدة تبنى واكتفينا بلقطات في برامج.. قوتنا الناعمة تحتاج إلى من يدافع عنها ويرعاها.. لدينا فرصة في تنظيم بطولة الأمم الإفريقية لعلنا نحولها ليس فقط لمباريات، ولكن إلى رسالة للعالم كيف تبني مصر الحديثة وماذا تمتلك من تراث عظيم.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

خطوات لبناء الوطن … أحمد سليم

إعادة بناء الدول لا تتم بالتصريحات والوعود والأحلام.. إعادة البناء تتم عبر خطط ودراسات وعرق …