الرئيسية / كبار الكتاب / الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى عبد الفتاح الجبالى

الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى عبد الفتاح الجبالى

قبل تعيين الفريق كامل الوزير وزيرا للنقل أعادت لنا شائعة تعيين وزير جديد للنقل يدعى محمد وجيه، بديلا للوزير المستقيل وما تلاها من ردود أفعال، بالذاكرة قصة الشابة المصرية سارة أبو الخير، التى زعمت عبر حسابها على انستجرام أن وكالة ناسا للفضاء أعجبت بفكرة اقترحتها عليها وقررت شراءها، والتى شغلت منصات التواصل الاجتماعى لفترة، ثم فوجئ المغردون بأنها مفبركة كليا. وان هدفها من التجربة هو إثبات أن مروجى الشائعات والأخبار المفبركة يمكن أن يحققوا الشهرة بأسهل الطرق.

وهو ما فتح مجددا الحوار حول دور وسائل التواصل الاجتماعى المختلفة فى نشر الأخبار الكاذبة. وهو ما يثير العديد من التساؤلات والقضايا المهمة، يأتى على رأسها مصادر المعلومات التى تعتمد عليها وسائل الاعلام المختلفة، وكيفية التأكد من صحة المعلومة؟ وغيرها من الأمور التى يجب ان تكون الشغل الشاغل لجميع المهتمين بالعمل الإعلامى والصحفى فى ظل ما نشهده من حولنا من تطورات ومتغيرات سريعة ومتلاحقة، خاصة مع الصعود الهائل لوسائل التواصل الاجتماعى فى الحياة العامة، وتمكّن المواطن من استخدامها بوفرة، وهو ما فتح أبوابا جديدة أمام خطابٍ عام جديد، وادى الى تغير طبيعة ومحتوى الرسائل الإعلامية وظهر مفهوم (المواطن ــ الصحفي) او صحافة المواطن، بحيث اصبحت هذه الوسائل هى المصدر الرئيسى للحصول على المعلومة، وبات الجمهور طرفا فى صناعة الخبر والنشر، فأى شخص على اتصال بشبكة الإنترنت ولديه معرفة أساسية باستخدام الكمبيوتر يستطيع الوصول الى قطاع عريض من الافراد ويذيع وينشر ما يريد على الملأ، مما أدى إلى تداخل وتشابك عوالم عديدة لها تأثيرها البالغ على حريات الآخرين.

بل وأصبحت هذه الوسائل أكثر قدرة على التأثير فى صنع القرار السياسى الرسمى، والأهم من هذا وذاك انها أصبحت مصدرا للمعلومات للعديد من المؤسسات الدولية العاملة فى المجالات المختلفة، بغض النظر عن صحتها من عدمه.

هذه التطورات تصب مباشرة فى حرية الرأى والتعبير، والذى أصبح حقاً متاحاً للجميع وفقا للإعلان العالمى لحقوق الانسان الذى يكفل حرية الصحافة والإعلام وحريات الإبداع والبحث العلمى والعقيدة، كما يكفل حرية النقد وحق الاختلاف، وأصبح العالم بالفعل قرية إلكترونية صغيرة متشابكة، تكاد تتوحد أنماط استهلاكها وثقافاتها، تعيش أحداث عالمها فى التو واللحظة، وتتعدد مصادرها فى المعرفة، ولكن وعلى الجانب الآخر ترتب عليها العديد من الأمور السلبية منها الجهل بالهوية، اذ تتيح هذه الوسائل التستر خلف هوية مجهولة مما يسهل كثيرا فى إنتاج واستهلاك مواد زائفة او غير قانونية مثل المواد الإباحية او خطابات الكراهية وتأجيج الطائفية والتحريض على العنف وغيرها، هذا فضلا عن غياب جودة المعلومات ونشر الادعاءات والشائعات دون أي سند من الحقيقة او المنطق ودون أي عائق قانوني، وانتشار الأخبار الزائفة وفقدان مواثيق العمل الإعلامي والصحفي جدواها في ظل عدم القدرة على فرضها على هذه الوسائل، وهنا تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 80% ممن انتسبوا إلى داعش جندوا عبر الإنترنت, وانتقل العمل الإرهابي من الحديث عن الخلايا النائمة إلى الخلايا الإلكترونية، وأصبحت حرب السيطرة على الفضاء الإلكتروني مثلها مثل الحرب على الأرض ـ إن لم تكن أخطر. وهو ما طرح التساؤلات يأتي منها كيف يمكن إدارة مثل هذه العمليات؟ وبعبارة أخرى هل يجب تقييد بعض هذه الأمور والحد منها؟ وهو سؤال قديم منذ قدم الحديث عن حرية الكلام والرأي.

فمنذ أن كتب، جون ستيوارت ميل، وهو من أشهر المدافعين عن الحريات الشخصية، كتابه «في الحرية» في خمسينيات القرن التاسع عشر، وحتى الآن، وهو نقطة الانطلاق الأساسية للحديث عن حرية الفكر والإبداع، ويرى أن حدود الحرية تقف في الظروف الاستثنائية مثل حالة الحرب وعند التحريض على العنف، أو تتضمن تشهيرا، أو يتم كشف أسرار الدولة، أو يهدد عدالة القضاء، أو خرق قوانين الملكية الفكرية أو المواد الإباحية، وهو ما يرفضه البعض باعتباره سيؤدي إلى الدخول في منزلق خطير ينتهي إلى تقييد حرية الفكر والرأي والإعلام، وقد يصل إلى الاستبداد والديكتاتورية، وهنا تكمن القيمة الكبرى للدساتير والقوانين المنظمة لهذه المسألة، ورغم ذلك يظل التساؤل قائما في تحديد الاستثناءات المقبولة لحرية الرأي والكلام، فمثلا أعمال مثل آيات شيطانية (1988) لسلمان رشدي أو الرسوم الكاريكاتورية في الصحف الدنماركية والفرنسية المسيئة للنبي محمد، ومستفزة لمشاعر المسلمين، هل يجب أن تحظى بحماية قانونية بدلا من تقييدها بالفطرة السليمة، وهل القانون الذي يحمي مثل هذه الكتابات غير أخلاقي؟ ما يدفعنا لهذا التساؤل هو إيماننا الكامل بأهمية الدور الذي يلعبه الإعلام والصحافة في المجتمع، كإحدى الدعامات الأساسية للديمقراطية، خاصة فيما يتعلق بإنارة الرأي العام والمجتمع وتوعيتهما بجميع الحقائق وتعقب الانحرافات، أي أنهما يعدان وبحق نبضا صادقا للمجتمع.

ونافذة لإطلال المواطنين على الحقائق التس لا يجوز حجبها عنهم، ومدخلا لتعميق المعلومات التي لا يجوز طمسها أو تلوينها، وعلى الجانب الآخر يجب حماية حق المواطن في التمتع بإعلام وصحافة نزيهين وعلى قدر رفيع من المهنية، وفق معايير الجودة الدولية، وبما يتوافق مع الهوية الثقافية. وكلها أمور تتطلب الالتزام التام بمعايير وأصول المهنة وأخلاقياتها. وهنا تطرح قضية المعلومات على مائدة البحث، فعندما تكون قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية المتبعة فس تسيير شئون الدولة واضحة وظاهرة للجميع فإن ذلك يساعد المواطنين جميعا على متابعة الطرق المعتمدة لتدبير شئون الدولة، وأضحت الشفافية والمعلومات مسألة حيوية، فهي تتمحور حول حق المواطنين في المعرفة وتستلزم نشر المعلومات حول ما يفترض بموظفي الحكومة ومؤسساتها أن يفعلوا وماذا يفعلون بالضبط وتحدد المسئوليات المختلفة.

ولهذا تشترط الشفافية توافر المعلومات الدقيقة في مواقيتها وإفساح المجال أمام الجميع للاطلاع على المعلومات الضرورية والموثقة، وهو ما يتطلب أن تنشر بعلنية ودورية من أجل توسيع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة ومحاصرة الفساد، والمساعدة على اتخاذ القرارات الصالحة في السياسة العام.

ولهذا تم وصف الشفافية والمعلومات بإنها أوكسجين الديمقراطية، إذ يشكل تدفق المعلومات أساسا لتنمية سياسات صحيحة وصنع قرار سليم ونزاهة الأعمال والمشروعات العامة والخاصة على السواء، وكلها أمور تحد كثيرا من سطوة هذه الوسائل على المشهد الإعلامي.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

أردوغان محشوراً في الزاوية … مكرم محمد أحمد

دخلت تركيا طرفاً داعماً بقوة في مساندة الميليشيات العسكرية التي تحكم مدن الغرب الليبي، بعد …