الرئيسية / كبار الكتاب / الموازنة المستقلة للهيئات القضائية والتعديلات الدستورية … عبد الفتاح الجبالي

الموازنة المستقلة للهيئات القضائية والتعديلات الدستورية … عبد الفتاح الجبالي

خلال المناقشات التي جرت في إطار الحوار المجتمعي حول التعديلات الدستورية، طالب ممثلو السلطة القضائية بضرورة إعادة النص على الموازنة المستقلة للهيئات القضائية، كما كان في المادة 185 من الدستور الحالي، وهو مطلب منطقي وعادل، إذ لا يختلف اثنان على الدور المهم الذي تلعبه الهيئات القضائية في ترسيخ قواعد الممارسة الديمقراطية وتعزيز أواصر دولة القانون، وهو ما يتطلب بدوره استقلالية تامة لهذه الجهات حتى تؤدي أدوارها المنوطة بها دون ضغوط من أي طرف من الأطراف، وينعكس بالإيجاب على تحقيق العدل وبسط الحقوق في ربوع البلاد، وبالتالي فإن تكريس استقلال الهيئات القضائية وتدعيمه يعد مطلبا أساسيا وحيويا لدى جميع المجتمعات.

وعلى الرغم من تعدد آليات استقلال السلطة القضائية إلا أن الاستقلال المالي يعد أحد أهم هذه الآليات. وفي المقابل فإن شمول وشفافية الموازنة يعدان من العوامل الضرورية التي تمكن مجلس النواب والمواطنين بوجه عام من مراقبة الحكومة ومحاسبتها. ويستلزم تحقيقهما توزيع الإنفاق على البنود المختلفة وتوضيح أهداف الموازنة، وكذلك توفير بعض المؤشرات التي تساعد على المتابعة والرقابة، فضلا عن ضرورة نشر المعلومات حول ما تم تنفيذه من أهداف. وهي مسألة مهمة وأساسية، فالغرض الأساسي من إعداد الموازنة هو تحقيق نوعين من الرقابة، الأولى دستورية، والثانية اقتصادية ومالية. ومن حيث الوظيفة الأولى تعد الموازنة وثيقة سياسية وقانونية تخدم أهداف الرقابة الدستورية وتضمن المشاركة الفعالة من جانب جميع فئات المجتمع. وهو ما يتطلب بدوره المعرفة الكاملة بالأوضاع المالية وبالتالي الشفافية المطلقة في عرض بنود الموازنة، ليس فقط للأغراض الاقتصادية ولكن من أجل المزيد من المساءلة السياسية أمام السلطات الرقابية والتشريعية والشعبية.

وهنا نلحظ ان الموازنة العامة للدولة مازالت تعاني من قيام بعض الوحدات بفتح حسابات خاصة بالبنوك يتم إيداع بعض المتحصلات بها والصرف منها خارج الموازنة وكذلك الاستخدام المفرط للميزانيات التكميلية. الأمر الذي يتطلب الحد من هذه المعاملات المالية والحد من النفقات السنوية التي يرخص بها بموجب تشريعات أخرى بخلاف قانون الموازنة. خاصة ان الإقلال من المعاملات التي تتم خارج الموازنة يؤدي الى المزيد من الشفافية ويجعل الحكومات أكثر شعورا بالمسئولية تجاه المالية العامة، ويفرض انضباطا على صانعي السياسة.

كما أن التوسع في هذا الأمر يعد مخالفة واضحة لمبادئ الموازنة العامة للدولة، خاصة الوحدة والشمول ولمبدأ العمومية الوارد بالمادتين (3 و9) من قانون الموازنة، إذ إنه وفقا لوحدة الموازنة فإنه لا يجوز تخصيص مورد معين لنفقة محددة، بل يجب أن تتجمع جميع موارد الدولة في الخزانة العامة والتي تقوم بتوزيعها على مختلف جوانب الإنفاق العام وفقا لما يرتئيه المجلس التشريعي عند مناقشة وإقرار الموازنة. كما أن التوسع في هذه المسألة يهدر مبدأ الشمول، الذي بمقتضاه يجب أن تتجمع جميع موارد الدولة ونفقاتها في إطار واحد يسهل متابعته، وبالتالي لا يجوز أن تنشأ حسابات خارج هذا النظام.

وقد أفرط الدستور الحالي في الحديث عن الموازنات المستقلة والاستقلال المالي، حيث تكرر النص كثيرا على هذه المسألة (مثل المادة 178 الخاصة بالوحدات المحلية والمادة 182 الخاصة بالمجالس المحلية والمادة 211 الخاصة بالمجلس الأعلى لتنظيم الاعلام وغيرها)، حيث أشارت إلى حصول هذه الجهات على موازنات مستقلة، وهو لفظ عام ليس له دلالة محددة إذا كانت هذه الكيانات داخل الموازنة العامة للدولة، وهو المقصود هنا وليست موازنات خارج الموازنة العامة للدولة مثل الهيئات الاقتصادية فتلك التي تطلق عليها موازنات مستقلة، أما داخل الموازنة العامة فإن كل جهة من هذه الجهات تعد لها موازنات مالية وفقا للقانون المنظم لها، ويتم تجميعها جميعا في إطار أشمل هو الموازنة العامة للدولة، وينطبق نفس القول على الاستقلال المالي الذي نص عليه الدستور للعديد من الجهات، فهو ايضا حديث غير دقيق علميا فهناك أسس ومبادئ موحدة لجميع الجهات الداخلة في الموازنة تصدر في قانون ربط الموازنة أو التأشيرات الملحقة به ويجب على الجميع الالتزام بهذه القواعد والأسس المحاسبية والمالية.

وعلى الرغم من ذلك فإن الضرورة قد تقتضي منح بعض الجهات موازنة بند واحد، وليست مستقلة، أي تعطي لها اعتمادات إجمالية يتم التصرف فيها دون التقيد بتقسيمات الأبواب المنصوص عليها في الموازنة، من هنا فإننا نرى سلامة حصول السلطة القضائية على موازنة البند الواحد، لضمان عدم تغول السلطة التنفيذية عليها ولمراعاة الفصل بين السلطات، مع الأخذ بالحسبان انها ليست موازنات مستقلة ولكنها توضع «بند واحد» في الموازنة، وجدير بالذكر أن الدستور الحالي قد فطن لأهمية هذه المسألة لذلك نص على هذه الاستقلالية في الفصل الثالث منه.

وفي هذا السياق جاء تعديل قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 بموجب القانون رقم 142 لسنة 2006 والقاضي بتعديل هذا القانون حيث تمت إضافة المادة 77 مكررا والتي نصت على أن: يكون للقضاء والنيابة العامة موازنة مستقلة تبدأ ببداية السنة المالية للدولة وتنتهي بنهايتها ويتولى مجلس القضاء الأعلى السلطات المخولة لوزير المالية في القوانين واللوائح بشأن تنفيذ موازنة القضاء والنيابة العامة. كما نصت المادة السابعة من القانون على أن يبدأ العمل بهذه المادة اعتبارا من موازنة 2008/2009.

وبهذه المواد أصبح من حق الهيئات القضائية العمل وفقا لموازنات البند الواحد، وبالتالي يحقق لها الاستقلالية في إنشاء الدرجات وشغل هياكلها التنظيمية وشئونها المختلفة، وذلك أسوة بالمحكمة الدستورية العليا، وينطبق هذا القول على مجلس الدولة وهيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية. وقد نص قانون الموازنة العامة رقم 53 لسنة 1973 والمعدل بالقانون رقم 87 لسنة 2005 في مادته العاشرة على أن تكون موازنة الهيئات القضائية والجهات المعاونة لها، من الموازنات ذات البند الواحد، بالإضافة الى كل من مجلسي الشعب والشورى (قبل إلغائه) والقوات المسلحة والجهاز المركزي للمحاسبات وجهاز المدعي الاشتراكي(قبل إلغائه ايضا).

وهو ما يتطلب إعادة النظر في هذه المادة والاكتفاء بما نص عليه الدستور, أما باقي الجهات فيجب إعادتها إلى التقسيم التقليدي وإلغاء حصولها على موازنة البند الواحد لضمان تلافي السلبيات السابقة.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

أحمد سليم … قادرون نعم

وسط أحداث متلاحقة بالمنطقة العربية من الجزائر غربا إلى السودان جنوبا وما بينهما ليبيا الملاصقة، …