الرئيسية / كبار الكتاب / عبدالفتاح الجبالى ! الأصول غير المستغلة وكيفية استغلالها

عبدالفتاح الجبالى ! الأصول غير المستغلة وكيفية استغلالها

حسنا فعل الرئيس عبد الفتاح السيسي حينما كلف وزير الأوقاف بضرورة الاستغلال الأمثل للأصول المملوكة لهيئة الأوقاف المصرية، وهي مسألة ضرورية لا ترتبط فقط بوزارة الأوقاف بل تمتد لتشمل كل وزارات ووحدات وهيئات الدولة ككل خاصة أن الإحصاءات تشير الي انها تشكل نسبة لابأس بها من أصول معظم هذه الجهات فاستمرار الوضع علي ما هو عليه الآن يؤدي الي العديد من المشكلات، علي رأسها عدم الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، ونقصد به تحديدا اما عدم استخدام الأصل علي الإطلاق، او استخدامه باقل من 50% من طاقته الإنتاجية، حيث تملك هذه الجهات ثروة من المعدات والآلات والأراضي تنتشر في جميع أنحاء الجمهورية، وتحتل مواقع متميّزة ومعظمها لم يتم استغلاله بطريقة اقتصادية سليمة، على الرغم من مرور فترات زمنية طويلة على حيازتها، الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى تخفيض، أو إلغاء قرارات التخصيص، وتعدي البعض عليها، ناهيك عن تدنّي عوائد الاستثمارات من هذه الاصول ووضع أسس الانطلاقة الكبرى للاقتصاد المصري وتدعيم قواعد الانتاج لن يتم الا عبر الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، ووجود قطاعات سلعية (صناعية وزراعية) قوية وقادرة على الخروج بمنتجاتها الى الأسواق المحلية والعالمية.

من هذا المنطلق تأتى الرغبة في وضع سياسة قوية لإصلاح وتطوير الأصول المملوكة للدولة وغير المستغلة, عن طريق زيادة معدلات الكفاءة والانتاجية لهذه الاصول، ومراجعة السياسات الاستثمارية والانتاجية والتسويقية، مما ينعكس أثره على الإنتاج وحجمه وذلك بالإحلال والتجديد، وإعادة التأهيل والتحديث والتوسع بحيث يصبح مؤهلا لتحقيق الانطلاقة الكبرى. كل ذلك يتطلب دراسة شاملة لأوضاع هذه القطاعات والسياسات القطاعية المؤثرة فيه، وكذلك دراسة تشخيصية شاملة لأوضاع الأصول، تشمل الأوضاع الهيكلية والاستثمارية والمالية، وكيفية استغلال الطاقات الانتاجية المتاحة وأوجه الهيكلة والتطوير. وقد طرحت هذه المسألة عدة مرات، وتشكلت العديد من اللجان لها, شارك في معظمها كاتب هذا المقال، كان أولها من جانب وزارة الاستثمار في عهد د محمود محيي الدين عام 2009حيث اقترح إنشاء جهاز لإدارة قطاع الأعمال العام، ضمن خطة لهيكلة القطاع جنبا الي جنب مع إنشاء (صندوق سيادي) للأجيال القادمة، يحفظ حقوقها، وتخصص له نسبة محددة من رءوس أموال الشركات التى تطرح نسب منها في إطار برنامج إدارة أصول قطاع الأعمال العام ثم طرحت الفكرة من جديد في عهد د سمير رضوان حينما كان وزيرا للمالية بعد يناير 2011، معلناَ أنه يسعى لتطبيق التجربة الماليزية من خلال إنشاء صندوق سيادي, ثم طرحت مرة أخري في حكومة د. الجنزوري، وتبني د. أشرف العربي هذه الفكرة، بل وخصصت الموازنة العامة للدولة خمسة مليارات مساهمة منها في هذا الصندوق، كما صدرت العديد من القرارات من مجلس الوزراء تتعلق بهذه المسألة منها القرار رقم 2589 لسنة 2015 و3415 لسنة 2015 و592و2569 لسنة 2016 وأخيرا القرار رقم 2346 لسنة 2017 ناهيك عن القانون رقم 144 لسنة 2017 وقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 18 بشأن الاحكام المنفذة له ومن المفارقات ان هذه الفكرة، وفي كل مرة تطرح فيها، كانت تلقي قبولا كبيرا من جانب المجتمع ككل (المتخصصين والبرلمانيين والاعلاميين من كل التيارات) ولكنها تظل حبيسة الأدراج لا تخرج الي النور حتي الآن.

لذلك أصبح من الضروري العمل على إنشاء جهاز جديد لإدارة الأصول المملوكة للجهات المختلفة بالدولة وغير المستغلة وذلك على غرار التجارب الدولية مثل سنغافورة وماليزيا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية وأستراليا وغيرها من الدول. والتي تشير الى أن أفضل بديل هو إنشاء كيان مستقل يمثل الدولة وعلى أسس علمية مالية واقتصادية صحيحة، ويعمل هذا الكيان المستقل على أساس انه شركة تهدف الى تعظيم العائد على الأصول المملوكة للدولة، وله الحق في القيام بجميع الأعمال التي تؤدى لتحقيق ذلك من عمليات دمج واستحواذ وبيع وضخ استثمارات جديدة، على أن يكون هذا الجهاز هو الذراع الاستثمارية للدولة مع وضع الأطر اللازمة لتصحيح مسار هذه الاستثمارات، وتحسين هياكلها التمويلية بما يرفع كفاءتها ويعظم عوائدها.

ويمكن أن يتم نقل هذه الأصول من الجهات المالكة لها، نظير نقل المديونية المستحقة عليها، وإدارة المحفظة الاستثمارية لها، بالإضافة إلى أى مصدر مالي ترى الدولة توجيهه نحو هذا الجهاز، ويمكن أن يضم أيضاً مساهمات المال العام فى الشركات المشتركة والشركات الأخرى. ويحقق هذا الاقتراح العديد من المزايا التي تمكن من حسن إدارة هذه الأصول خاصة على صعيد ضخ الاستثمارات والهيكلة المالية والادارية لكل الكيانات. وارساء قواعد جديدة لمساهمة هذه الكيانات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يساعد علي حصر الأصول والأراضي المتاحة، وغير المستغلة لدى جهات الدولة، والتي يمكن مبادلتها او استغلالها استغلالا مختلفا عما هو قائم حاليا. ومن ثم إيجاد كيان قادر على حسن استغلال الأصول المملوكة للدولة ويساعد علي التعرّف على القيمة الحقيقية لهذه الأصول والالتزامات المستحقة عليها مع تطوير أدائها والتعامل مع المشكلات التى تواجهها من منظور استراتيجي. وهذا الجهاز سوف يكون قادراً علي تحمل عبء المديونيات المتراكمة على هذه الجهات، واستغلال أصولها بشكل اقتصادي يُدِر عوائد مالية جيدة، يتولد عنها أرباح، وبالتالي تخفيف العبء عن الموازنة العامة للدولة. ولكن للأسف تم إهمال كل هذه الاعمال، واللجوء الي مكاتب استشارية خارجية لا تعلم كثيرا عن الواقع المصري، وهو نفس المنهج الذي تم مع قطاعات الغزل والنسيج والحديد والصلب وغيرهما من القطاعات, رغم وجود العديد من الدراسات في هذه المجالات, عموما فقد أدي هذا الاتجاه الي تحول الاهتمام من العمل علي حسن استغلال هذه الأصول لتضيف طاقة إنتاجية للمجتمع الي التخلص من هذه الأصول مباشرة دون التفكير في الإصلاح الجذري لها وهذه مشكلة كبيرة اذ إن التخلص من الأصول بالبيع لسد عجز الموازنة من الأخطاء التي يجب العمل على تلافيها. وبالتالي يجب التفكير في إنشاء الجهاز المشار إليه، باعتباره البديل الأمثل لتحقيق أغلب الايجابيات التى تمكن الاقتصاد من الانطلاق فى النواحي الانتاجية والخدمية، خاصة على صعيد ضخ الاستثمارات والهيكلة المالية والادارية.

جريدة الاهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

كشف حساب صعيد مصر بقلم : مكرم محمد أحمد

كما كانت مدينة السادات التي أصبحت في غضون فترة زمنية محدودة واحدة من قلاع مصر …