الرئيسية / كبار الكتاب / عبدالفتاح الجبالى … الحوكمة وأوضاع المؤسسات الصحفية القومية (2)

عبدالفتاح الجبالى … الحوكمة وأوضاع المؤسسات الصحفية القومية (2)

أشرنا في المقال السابق إلى العديد من المؤشرات الاقتصادية والمالية التي تدل على أن المؤسسات الصحفية القومية قد وصلت إلى مرحلة من الخطورة، تتطلب التدخل السريع والحاسم للقضاء على ما تعانيه من اختلالات مالية واقتصادية التي تعود إلى غياب المتابعة الدقيقة والفعلية للأداء المالي، وضعف نظم الرقابة خاصة على حركة الأصول واستخدامها، مع غياب الشفافية والنزاهة والمساءلة والمحاسبية، كنتيجة أساسية لغياب المالك القانوني لهذه الأموال عن الساحة وتغاضيه عن ممارسة حقه الطبيعي في الرقابة عليها. وبالتالي فإن التصدي لهذه المشكلات يتطلب وضع برنامج اقتصادي ومالي عاجل يأخذ بعين الاعتبار جميع الأمور التي أشرنا اليها آنفا مع تعزيز الشفافية والمساءلة أولا بأول والعمل بطريقة اقتصادية بحتة وسليمة مع ضمان المحاسبة المالية الصحيحة وحُسن استغلال الأصول المملوكة. وهو مالم يتحقق إلا عبر الحوكمة الكفء التى أصبحت ضرورة أساسية لضمان ممارسة الإصلاح بصورة صحيحة، حيث ترتكز على المشاركة والشفافية والمساءلة فعندما تكون القواعد المتبعة في تسيير شئون المؤسسة واضحة وظاهرة للجميع فإن ذلك يساعد على متابعة ما يحدث، ويتم توسيع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة ومحاصرة الفساد، والمساعدة على اتخاذ القرارات السليمة.

وهنا نأتي إلى السؤال الأساسي الى أي مدى عكست مشروعات قوانين الإعلام الجديدة التي وافق عليها البرلمان في جلستي 23و24 يونيو 2018، هذه الأطر المهمة وكيف تعامل مشروع قانون الهيئة الوطنية للصحافة تحديدا، باعتباره المنوط به إدارة المؤسسات الصحفية القومية، مع هذه المشكلات هنا توجد عدة ملاحظات أولاها أن المشروع أغفل تماما الشفافية في نشر الميزانية، اذ بينما ينص القانون القائم حاليا في مادته رقم (33) على ضرورة أن تلتزم الصحف بنشر ميزانياتها خلال ستة أشهر من انتهاء السنة المالية. وعلى الصحف والمؤسسات ان توافي الجهاز بحساباتها الختامية خلال الأشهر الثلاثة التالية لانتهاء السنة المالية، فقد ألغيت هذه المادة تماما من مشروع القانون، وذلك على العكس مما تقضي به مبادىء الشفافية من ضرورة إلزام المؤسسات الصحفية بنشر ميزانياته السنوية وتقديم القوائم المالية ومراكزها المالية وفقا للأعراف المحاسبية المتبعة مع تغليظ العقوبات على غير الملتزمين. وهنا قد يرى البعض انه تم الاكتفاء بما جاء في مشروع قانون المجلس الأعلى للإعلام مادة 48 والتي نصت على ضرورة التزام المؤسسات الصحفية بنشر ميزانياتها خلال الأشهر الثلاثة التالية لانتهاء السنة المالية، وهذا غير دقيق، خاصة ان المادة المشار اليها تعكس خلطا شديدا في العلاقة بين المجلس الأعلى والهيئة الوطنية للصحافة، وهو موضوع آخر ولكن ما يهمنا هنا هو ضرورة النص في قانون الهيئة الوطنية وليس في قانون المجلس الأعلى.

اما فيما يتعلق بالجمعيات العمومية فعلى الرغم من صحة ما ذهب إليه مشروع القانون بتولي رئيس الهيئة الوطنية للصحافة هذه الجمعيات باعتباره ممثلا للمالك، فإن المشروع جاء ضعيفا، من منظور الحوكمة، في العديد من الأمور المهمة يأتي على رأسها الخلط الشديد بين دور الهيئة الوطنية ودور الجمعيات العمومية للمؤسسات وأضعف كثيرا من دور الجمعية العمومية، حيث نص على ان تعقد الجمعية العمومية العادية مرة واحدة في السنة، لدراسة الأمور التي أوكلها لها وهي عديدة ومتنوعة وهنا عدة مشكلات أولاها: أن اجتماعا واحدا سنويا لا يكفي بأي حال من الأحوال لتفعيل دورها والقيام بواجبها على أكمل وجه، سواء تعلق ذلك بدراسة مشروع الموازنة التقديرية أو اعتماد الحسابات الختامية وغيرهما من الأمور، ومن العجيب أن النص لم يذكر عبارة (على الأقل) ليفتح الباب أمام انعقاد الجمعية العادية عدة مرات لممارسة دورها الرقابي وهنا قد يقول قائل إنه يمكن أن تنعقد جمعيات غير عادية وهي مقولة خاطئة تماما، لأن الجمعية غير العادية لها شروط وأوضاع محددة ولا تغني بأي حال من الأحوال عن الجمعية، العادية وخير دليل على ذلك ما ذهبت إليه المادة 41 بند 6 من ضرورة اعتماد التقارير ربع السنوية من جانب الجمعية، فهل سيتم تجميع هذه التقارير لتعرض مرة واحدة في الاجتماع السنوي وهو ما يفقدها الهدف الموضوعى للمتابعة والرصد؟ أم سيكتفي بمراجعة الهيئة لهذه التقارير؟

ثانيا: يظهر الخلط أيضا في اعتماد الهيكل التنظيمي والإداري للمؤسسة الصحفية، إذ تشير المادة 5 بند 12 إلى أن الهيئة هي التي تعتمده، بينما تشير المادة 42 إلى أن الجمعية العمومية هي التي تقوم بذلك وأيضا تشير المادة 38 إلى أن الجمعية تقر السياسات العامة للمؤسسة وخطتها الاقتصادية، بينما يشير البند 2 من المادة 5 إلى أن الهيئة هي التي توافق على هذه السياسات.

ثالثا: تشير المادة 5 بند 20 إلى أن الهيئة هي التي تحدد البدلات التي يتقاضاها رؤساء وأعضاء مجالس الإدارات والجمعية العمومية، بينما تشير المادة 44 إلى أن مجلس الإدارة هو الذي يضع هذه البدلات فمع تسليمنا الكامل بأنه لا يجوز أن يحدد هذه البدلات المجلس نفسه لأنه لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع قواعد الحوكمة الرشيدة، لذا كان يجب أن يقتصر النص على ان تتولى الهيئة الوطنية للصحافة هذا الامر أو على الأقل الجمعية العمومية.

رابعا: هناك خلط في المفاهيم يبرز بشدة في الحديث عن الأجور والدخول، حيث تشير المادة 5 بند 6 إلى أن الهيئة تضع حدا أدنى وأقصى لأجور الصحفيين والإداريين والعاملين بالمؤسسات الصحفية، بينما تشير المادة 31 إلى أن الهيئة تلتزم بوضع حد أدنى لدخول الصحفيين والإداريين والعمال، وهنا توجد عدة ملاحظات أولاها غياب التفرقة بين الأجور والدخول، بعبارة أخرى فإن النص بصيغته يشير إلى أن الهيئة ستضع حدا أقصى للأجور، ولكن لن تلتزم بذلك في الدخول، وهو ما يفتح الباب واسعا للعديد من الأمور التي لا يحمد عقباها لكل ما سبق أصبح الأمر يحتاج إلى تضافر جميع الجهود للإنقاذ السريع من هذه الأزمة التي قد تعصف بالمؤسسات الصحفية إلى أتون معارك شرسة حول البقاء أو الفناء من هذا المنطلق، فإننا نرى أن أفضل سبل الإصلاح يجب أن تنقسم إلى قسمين أولهما علاج سريع وقصير الأجل، وثانيهما علاج على المدى الأبعد (وهو ما سنتناوله في المقال التالي بإذن الله).
جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد … لماذا لا يعود الروس لشرم الشيخ؟

ربما لا يشكل استئناف الطيران العارض بين المدن الروسية والمدن المصرية مشكلة كبيرة في العلاقات …