الرئيسية / كبار الكتاب / عبدالفتاح الجبالى … معضلة ارتفاع الأسعار وانخفاض التضخم

عبدالفتاح الجبالى … معضلة ارتفاع الأسعار وانخفاض التضخم

يتساءل الكثيرون في الآونة الحالية، عن صحة ما أعلنته الحكومة أخيرا عن هبوط معدل التضخم ووصوله إلى 17% بينما لا يشعرون بذلك نظرا لارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات التي يستهلكونها يوميا، خاصة الاستهلاكية منها؟ وهى تساؤلات مشروعة وتحتاج إلى الإيضاح .

أشار التقرير الشهري للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن الرقم القياسي لأسعار المستهلكين عن شهر يناير إلى الاستمرار في تراجع معدل التغير في الأسعار على أساس شهري للشهر الثاني على التوالي حيث تراجع بنسبة 0٫2% ووصوله على أساس سنوي إلى 17.1% وذلك بعد أن بلغ المعدل السنوي ذروته في يوليو 2017 حين وصل إلى 33% وهى نسبة مازالت مرتفعة للغاية ولكنها تشير إلى بدء التباطؤ في معدل الزيادة في الأسعار ، ومن المعروف أن التضخم وارتفاع الأسعار هما العدو الرئيسي لأصحاب الدخول الثابتة, وبالتالي فإن أى بادرة تحسن في هذا المؤشر تصب مباشرة في مصلحة هؤلاء، ومن الغريب أن من يتشككون الآن في هذا الرقم كانوا أول من يستخدمونه في أعمالهم الصحفية والإعلامية حينما كان يشير إلى الارتفاع العام في الأسعار عقب الموجة التضخمية التي مرت بها البلاد عقب قرارات نوفمبر 2016.

تراجع معدل التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار ولكنه يشير ببساطة إلى أن الزيادة في الأسعار قد تم احتواؤها أو على الأقل لم تزد إلا بمعدلات أقل من المعدلات السابقة, وبعبارة أخرى فقد ترتفع الأسعار بنسب معينة وفي الوقت نفسه ينخفض معدل التضخم، فعلى سبيل المثال قد يكون سعر السلعة 100 جنيه ثم ترتفع فى الشهر التالى إلى 110 جنيهات وفى الشهر الذى يليه إلى 115 جنيها، وهنا يشير معدل التغير في الأسعار على أساس شهرى إلى الانخفاض بينما الأسعار في ارتفاع وينبغي ألا يفهم من ذلك أن هذا المؤشر غير صحيح بل على العكس من ذلك تماما إذ إنه يقيس الاتجاه العام للأسعار وبالتالي يضع أمام صانع القرار الصورة كاملة للتحرك

وهناك العديد من المؤشرات التي تقيس التضخم يأتي على رأسها الرقم القياسي لأسعار المستهلكين الذي يصدره الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء والذي يقيس التغيير الذي يطرأ على أسعار مجموعة من السلع والخدمات التي يتم استخدامها لأغراض الحياة اليومية، ويعتمد على بحوث الدخل والإنفاق لعام 2008/2009 وعلى أساس أسعار يناير 2010 ويستخرج منها الأوزان النسبية للاستهلاك, وعلى هذا الأساس يتم تجمع أسعار السلع الغذائية والخدمات شهريا، كما يتم تجميع بعض السلع ذات التغير المستمر في الأسعار (مثل الخضراوات والفاكهة والدواجن والأسماك والطيور والبيض) أسبوعيا، وهنا نلحظ أن نسبة استهلاك الطعام والشراب تستحوذ على 44٫2% من الأوزان النسبية للجمهورية يليها المسكن والمياه والكهرباء والغاز بنسبة 17٫7% وبعد ذلك الرعاية الصحية 6% والنقل والمواصلات نحو 5% ويقاس هذا التغير إما على أساس سنوي وهو ما يشير إلى التغير في الرقم القياسي خلال شهر معين مقارنته بالشهر نفسه من العام السابق أو على أساس شهري حيث يقيس التغير خلال شهر مقارنة بالشهر السابق مباشرة، وهنا نلحظ أنه على الرغم من التراجع في معدل ارتفاع الأسعار على أساس سنوي من 22٫5% خلال شهر ديسمبر 2017 إلى 17٫1% فى يناير 2018 إلا أن معدل التضخم مازال مرتفعا ويدور في المتوسط حول 31% خلال العام 2017، كما أن هناك العديد من السلع التي ارتفعت بشدة خلال الفترة الحالية مثل الألبان والجبن والبيض التي ارتفعت بنحو 266% والفاكهة بنسبة 32٫6% والخضراوات بنسبة 32٫4% والدخان 29٫9% والكهرباء والغاز بنسبة 40%

وعلى الجانب الآخر يقوم البنك المركزي المصري بقياس معدل التضخم الأساسي معتمدا على الرقم القياسي لأسعار المستهلكين مع استبعاد الخضر والفاكهة باعتبارها من العناصر الأكثر تقلبا، وكذلك العناصر المحددة إداريا إذ إن التقلبات فى هذه السلع تعوق الحكم على تغيرات الأسعار التى تتسم بالاستمرارية والتى يمكن بناء عليها تحديد الاتجاهات العامة للتضخم بصورة صحيحة، ويلجأ البنك المركزي لهذا المؤشر لإجراء تحليل دقيق للأسباب المؤدية للزيادة في الأسعار وبالتالى تحقيق أهداف السياسة النقدية، إذ تشير المادة 5 من قانون البنك المركزي رقم 88 لسنة 2003 إلى أن البنك المركزى يعمل على تحقيق الاستقرار فى الأسعار وسلامة النظام المصرفى فى إطار السياسة الاقتصادية العامة للدولة، وبالتنسيق مع الحكومة فى إطار المجلس التنسيقى، وهنا تتباين الآراء فى هذه المسالة وأصبح التساؤل هل المطلوب استقرار الأسعار بالمعنى العلمي المتفق عليه أو الالتزام بمعدل تضخم مناسب للاقتصاد القومي؟!.

إذ إن الاستقرار الكامل للأسعار يشير إلى أن هدف السياسة النقدية هو تحقيق معدل تضخم يساوي صفرا، وأيضا إذا ارتفعت الأسعار فلابد أن تعود إلى سابق حالها بينما التضخم المعتدل يدعم الاستقرار ويجعل الاقتصاد فى حالة توازن حركي منتظم ويزيد من الناتج المحلي.

وهكذا إذا كان تحقيق الاستقرار الاقتصادي يترجم في النهاية إلى هدف يرتبط بالتغيير في الأسعار فإن الآراء تتباين حول ما إذا كان من الواجب على السياسة النقدية تبني فكرة الاستقرار الكامل للأسعار أو الالتزام بمعدل تضخم تعتبره معقولا من وجهة نظرها. وهذا هو لب الحديث عن استقلالية البنك المركزي. ويرى ستانلى فيشر إن الحجج المؤيدة لاستقلالية البنك المركزي هى حجج من يبحثون عن أفضل الحلول من الدرجة الثانية. ولكن في عالم يبحث عن أفضل الحلول فإنه يجب أن تكون السياستان النقدية والمالية متسقتين تماما. فالسياسة المالية ترتبط بالسياسة النقدية من خلال الدور الذي تقوم به السلطات النقدية في تمويل عجز الموازنة العامة، وعلى هذا تنعكس العلاقة بين السياستين في النهاية على صافي الاقتراض الحكومي من الجهاز المصرفي. وهو ما يؤثر بدوره على السيولة المحلية والقاعدة النقدية ومعدل التضخم وهى مسألة تظل رهنا بمدى وطبيعة التطور الاقتصادي بالبلاد والأوضاع المصرفية والنقدية، ناهيك عن أوضاع المالية العامة وعجز الموازنة جنبا إلى جنب مع الأطر المؤسسية الناظمة لعمل السوق بما يحقق الانضباط فى الأسعار والسيطرة على التضخم وعلاج الاختلالات العديدة والتي تجعل السوق أقل قدرة على المنافسة أو أقل كفاءة وتزيد من الضغوط التضخمية بالبلاد.

جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

صالح الصالحى … عناد الأبناء  

في رحلتك مع اولادك تظن نفسك انك تربيهم.. ثم تكتشف أنهم لايسمعون إلا أنفسهم.. فتستسلم …