الرئيسية / كبار الكتاب / عبدالفتاح الجبالي … الحوكمة وأوضاع المؤسسات الصحفية القومية(3)

عبدالفتاح الجبالي … الحوكمة وأوضاع المؤسسات الصحفية القومية(3)

استعرضنا على مدى الأسبوعين الماضيين الأوضاع الحالية للمؤسسات الصحفية القومية، وأوجه الخلل وعدم تناسب مشروع القانون الجديد للتعامل مع هذه المشكلات، وأصبح التساؤل المطروح هو ما العمل؟. الصحافة المصرية مضى عليها ما يقرب من قرنين من الزمن فمؤسسة الأهرام أنشئت عام 1875 ودار الهلال عام 1892 وروز اليوسف عام 1925. بل إن جريدة الجازيت تعد أقدم مطبوعة باللغة الإنجليزية في الشرق الأوسط حيث صدر العدد الأول منها عام 1880 عن شركة الإعلانات الشرقية قبل أن تتحول إلى دار التحرير عام 1954 وللأسف فمازال البعض ينظر إلى هذه المؤسسات على أن نشاطها ينحصر في إصدار الجرائد والمجلات فقط، وهذا غير صحيح على الإطلاق فهذه المؤسسات تتنوع فيما بينها من حيث النشاط والاهداف فهناك ست مؤسسات صحفية (الأهرام، أخبار اليوم، التحرير، دار المعارف، دار الهلال، روز اليوسف) بالإضافة إلى وكالة أنباء الشرق الأوسط والشركة القومية للتوزيع وتقوم هذه المؤسسات بالعديد من الأنشطة بعضها يتعلق بالنشر والتوزيع والبعض الآخر يدخل في مجال الاستثمار وتقوم بإصدار مطبوعات يومية وأسبوعية وشهرية وفصلية، كما أن البعض منها يملك جهات تقوم بإصدار بعض المطبوعات مباشرة ودون الرجوع للهيئة الوطنية للصحافة كما تمتلك بعض الكيانات الداخلية التي تقوم بأعمال تجارية بحتة مثل مركز اماك بالأهرام، ناهيك عن قيام البعض الآخر بأعمال النشر والتوزيع مثل مركز الأهرام للترجمة والنشر أو مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية أو الميكروفيلم ووكالة الأهرام للصحافة أو المعهد الإقليمي للتدريب بمؤسسة الأهرام،يضاف إلى ذلك أن بعض هذه المؤسسات لديها كيانات استثمارية تخضع لقانون الاستثمار أو الشركات المساهمة أو الجامعات لذا أصبح الأمر يحتاج إلى تضافر كل الجهود للإنقاذ السريع من هذه الازمة التي قد تعصف بالمؤسسات الصحفية إلى تون معارك شرسة حول البقاء أو الفناء من هذا المنطلق فإننا نرى أن الإصلاح ينقسم إلى قسمين أولهما علاج سريع وقصير الأجل وثانيهما علاج على المدى الأبعد وتنطلق خطة الإصلاح من مسلمات أساسية هي الحفاظ على جميع الحقوق القائمة للعاملين وزيادة القدرة التنافسية ورفع كفاءة الخدمة مع إصلاح الخلل في الهيكل التمويلي وتطوير القدرات الصحفية.

البعض قد طرح فكرة زيادة أسعار بيع المنتجات الصحفية (جرائد ومجلات) لحل المشكلة، ورغم منطقية ووجاهة هذه الفكرة فإنها على الصعيد العملي غير قابلة للتنفيذ لأنها ستؤدي الى انخفاض كمية المبيعات ومن ثم قيمتها، نتيجة للأوضاع الاقتصادية السائدة وانخفاض القدرة الشرائية للقارئ واشتداد المنافسة مع وسائل الإعلام الجديدة ويعد بمثابة رصاصة الرحمة، ومن الأفضل أن تتدخل الخزانة العامة بتقديم الدعم المادي بالفرق بين سعر الورق الحالي والسعر الجديد وفقا للكميات الحالية، وهو ما يصل إلى نحو 300 مليون جنيه تقريبا على أن تقوم هذه المؤسسات بالتعاون مع جهات الدولة المعنية إما بتطوير مصنع الورق القائم حاليا، وإما إنشاء مصنع جديد، وذلك وفقا لدراسات الجدوى ولذلك يجب تفعيل دور مجالس الإدارات والجمعيات العمومية لهذه المؤسسات بل وإمكانية سحب الثقة من مجلس الإدارة. كما يجب العمل وفورا على إنشاء نظام قوي وفعال للرقابة الداخلية بالمؤسسات وهو ما يضمن إلى حد بعيد توفير البيئة المناسبة للإصلاح المالي ووجود قوائم مالية تعبر بصورة صحيحة وسليمة عن الأوضاع المالية. إننا نرى ضرورة العمل على التخلص من المخزون الراكد، كتب وورق وقطع غيار، بأفضل وسيلة ممكنة، خاصة أنه يحمل المؤسسات المزيد من التكاليف للمحافظة عليه. وذلك عن طريق إعداد الدراسات الفنية المطلوبة لمعرفة المخزون الراكد والتالف وفصله عن الأصناف الأخرى السريعة التداول، في مخزن مستقل، ووضع تصور شامل للتخلص منه. وإصلاح نظام العمولات والحوافز المعمول به داخل هذه المؤسسات ووضع أطر منظمة لها، مع عدم صرف أي مصاريف أو نفقات دون مستندات حقيقة ومثبتة في دفاتر المؤسسة. وعلى الجانب الآخر يجب التخلص وفورا من الاستثمارات غير المجدية التي قامت بها هذه المؤسسات خاصة وإنها توسعت في ذلك النشاط كثيرا. وضرورة دراسة مديونية العملاء وسبل تحصيلها بأقل خسائر ممكنة، مع إيقاف العمل فورا مع العملاء المتوقفين عن السداد لحين الانتهاء من دراسة أوضاعهم دراسة شاملة والاتفاق على خطة لاسترداد حق المؤسسات الصحفية منهم. وضرورة حصر الأصول المملوكة للمؤسسات بالكامل، ثم معرفة التي تم اهلاكها دفتريا ومازالت في الإنتاج، مع دراسة قيمتها وتوضيح المنافع المتوقعة منها خلال الفترة المقبلة، وحصر مستندات الملكية أو الحيازة وتوصيف الأصول وفقا لهذه المسألة ودراسة كيفية حل المشكلات المرتبطة بهذه المسالة، مثل كيفية تحويل الحيازة إلى ملكية على أن يتم إعداد قوائم بالأصول غير المستغلة والاستثمارات العقارية وتصنيفها ودراسة أوضاعها الحالية وكيفية الاستخدام الأمثل لها.

وجدير بالذكر أن معظم هذه المؤسسات قد حصلت على أراض صناعية لاستغلالها في بعض الأنشطة التي تدر لها عائدا ماليا، ولكنها لم تتمكن من مواصلة هذه العملية نتيجة لأزمة السيولة التي مرت وتمر بها وهو ما عرضها للسحب وإلغاء الترخيص الخاص بها، رغم أنها سددت بعض الأموال كجزء من القيمة المستحقة. لذا وفي إطار الحرص على المصلحة العامة فيقترح تجديد التراخيص الممنوحة لهذه المؤسسات ومنحها مهلة معينة لاستكمال وتنفيذ المشروعات المقترحة، دون تحميلها أي رسوم جديدة. وإلزام هذه المؤسسات تقديم دراسات جدوى حقيقية وكاملة لاستغلال هذه الأراضي (على أن تتضمن التكلفة الاستثمارية ـ مصادر التمويل ـ الجدول الزمني المقترح للتنفيذ ـ الجدوى الاقتصادية للمشروع المقترح) وذلك في غضون شهرين من قرار مد المهلة. وفيما يتعلق بمديونية المؤسسات الصحفية القومية فإنه يقترح تشكيل لجنة من الهيئة الوطنية للصحافة ومصلحة الضرائب وممثلي المؤسسات ـ الصحف القومية ـ لدراسة هذه المديونية وسبل التعامل معها من خلال دراسة إمكانية إسقاط فوائد الديون الخاصة بالضرائب ودراسة إصدار قانون لإسقاط أصل هذه الديون أسوة بالقرار بقانون رقم 28 لسنة 1969 الذي أسقط المديونية المماثلة عن المؤسسات الصحفية قبل 31/12/1968.

هذه بعض التصورات التي تمثل خطوطا عريضة للإصلاح يمكن تحويلها إلى خطة عمل خلال الفترة المقبلة ببرامج زمنية محددة وذلك بالتنسيق مع مجالس إدارات هذه المؤسسات وبإشراف كامل من الهيئة الوطنية للصحافة.

جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

أحمد سليم … أين ذهبت الأحزاب؟

في أوائل القرن الثامن عشر، شهدت مصر أول فعالية سياسية بتشكيل مجلس نيابي حمل عبر …