الرئيسية / كبار الكتاب / عبدالفتاح الجبالي… الشمول المالي والإجراءات البنكية

عبدالفتاح الجبالي… الشمول المالي والإجراءات البنكية

“لقد تم إيقاف التعامل بالبطاقات الائتمانية” بهذه العبارة رد علينا البائع بإحدى المحال الكبرى حين أعلنا عن رغبتنا الدفع بالبطاقة، وعندما سألنا عن السبب كان الرد أن البنوك أصبحت تفرض رسومًا عالية مما سبب لنا العديد من المشكلات مع الزبائن، لذا قررنا الاقتصار على التعامل النقدي فقط، وحين ذهبنا للبحث عن ماكينة للصرف الآلي لسحب النقود المطلوبة وجدناها جميعًا خارج الخدمة، وهكذا عدنا دون استكمال شراء احتياجاتنا الأساسية، ومن المصادفات أنه وفي اليوم التالي ذهبنا لأحد فروع بنك عام كبير، لاستخراج شيك بنكي إلا أن هذا الإجراء استغرق أكثر من ثلاث ساعات! والعجيب أن مدير الفرع أخبرنا بأن هذا هو المعتاد في الأيام العادية، فما بالك بالأوقات الأخرى، كل هذه الأحداث جالت في خاطري حينما قرأت أن بعض البنوك قد قررت زيادة أسعار الخدمات المصرفية مثل السحب النقدي ومصروفات فتح الحساب ورسوم إصدار الشيكات، وكذلك الخدمات الأخرى، وهنا أصبح التساؤل عن تأثير هذه الإجراءات على السياسة التي تتبناها الحكومة المصرية، والبنك المركزي الهادفة إلى الحد من التعاملات النقدية وتعزيز التعاملات المصرفية والشمول المالي.

يقوم الشمول المالي على إتاحة واستخدام جميع الخدمات المالية لمختلف فئات المجتمع بمؤسساته وأفراده من خلال القنوات الرئيسية بما في ذلك حسابات التوفير المصرفية وخدمات الدفع والتحويل والتأمين والتمويل والائتمان وابتكار خدمات مالية أكثر ملاءمة وذات أسعار تنافسية، كما يتضمن هذا المفهوم حماية حقوق مستهلكي الخدمات المالية وتشجيعهم على إدارة أموالهم ومدخراتهم بشكل سليم بهدف تفادي اللجوء إلى قنوات ووسائل غير رسمية لا تخضع لجهات الرقابة والإشراف، وهكذا يسعى النظام إلى توسيع نطاق العمل المصرفي ليشمل جميع الفئات والسكان مثل سكان الريف والفقراء والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر ودمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، الأمر الذي يؤثر بالإيجاب على العملية التنموية بالبلاد، خاصة على معدلات التضخم، وأسعار الفائدة وغيرهما من الأمور الاقتصادية المهمة.

وعلى الصعيد العالمي أصدر البنك الدولي أخيرًا المؤشر العالمي للشمول المالي، وهو قاعدة بيانات واسعة النطاق عن كيفية استخدام الأشخاص للخدمات المالية في 144 بلدًا، مشيرًا فيه إلى ارتفاع نسبة من يمتلكون حاليًا حسابات في البنوك أو لدى شركات تقديم الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول إلى 69% من البالغين، أي 3.8 مليار شخص مقابل 62% في عام 2014 ومن نسبة لا تتجاوز 51% في عام 2011، وخلال الفترة بين عامي 2014 و2017، حصل 515 مليون بالغ على حسابات مصرفية، وقام 1.2 مليار بالغ بذلك منذ عام 2011.

أما في مصر فالمسألة مختلفة، فرغم المحاولات الحكومية العديدة لتشجيع التعامل المصرفي حيث قامت بإنشاء المجلس القومي للمدفوعات، كما أصدر رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية العديد من القرارات منها وقف التعامل بالشيكات الحكومية لجميع أجهزة الدولة والصناديق والحسابات الخاصة، والتحول إلى نظام المدفوعات الإلكترونية والعمل بنظام الخزانة الموحد (TSA)، الذي يشمل جميع الجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة، ويكون الصرف والتحكم فقط من خلال هذه المنظومة الإلكترونية الجديدة، إضافة إلى إغلاق ما يقرب من 61 ألف حساب لكل جهات الدولة لعدد 2650 وحدة حسابية في جميع أجهزة الدولة. هذا بالإضافة إلى تطبيق نظام ميكنة إدارة المالية الحكومية (GFMIS) هو الخطوة الثانية للتحول إلى مجتمع إلكتروني، مع ربط النظامين فيما بينهم، بحيث لا تتم أي مدفوعة إلكترونية إلا من خلال نظام إدارة نظم المعلومات المالية العامة الحكومية، وهو ميكنة للموازنة العامة للدولة، بالإضافة إلى التحصيل الإلكتروني للضرائب والجمارك، وأصبحت الحكومة تقوم بصرف الرواتب والمعاشات والاستثمارات وجميع بنود المصروفات في الموازنة إلكترونيًا، وكلها خطوات هامة وضرورية لتعزيز هذه العملية، ولكن للجهاز المصرفي رأيًا آخر فبدلًا من تسهيل التعاملات البنكية وخفض الرسوم المقررة لجذب الشرائح الاجتماعية من الطبقة الوسطى والأدنى منها إلا أنه يقوم بعكس ذلك، تحت مزاعم الربحية والعائد رغم إعلان كبار المسئولين بالبنوك العامة عن تحقيق أرباح في أحد البنوك تصل إلى 12 مليار جنيه والآخر أعلن عن ربح تجاوز 7 مليارات جنيه، مع ملاحظة أن ما آل إلى الخزانة العامة من هذه البنوك لم يتجاوز 2 مليار جنيه فقط!!

المتتبع لمدخرات القطاع العائلي يجد أن معدلاتها في تناقص مستمر أيضًا، سواء داخل الجهاز المصرفي أو توفير البريد وشهادات الاستثمار، هذا فضلًا عن ارتفاع معدلات الاكتناز والاستمرار في تفضيل التعامل النقودي عن التعامل المصرفي. ويرجع السبب في ذلك إلى ضعف دخول الأفراد باعتباره عاملًا مهمًا في تحديد نمط الادخار. وارتفاع نسبة النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي في هيكل السيولة المحلية، انخفاض النقد المتداول من العملات فئة العشرين جنيهًا والفئات الأقل، مقابل الزيادة الكبيرة في العملات فئتي (مائة جنيه ومائتي جنيه) وعلى الجانب الآخر نلحظ أن الفرق بين معدل التضخم ومعدل الفائدة مازال كبيرًا، مما يشير إلى انخفاض العائد الحقيقي لأسعار الفائدة على الجنيه المصري، لذلك الطريق مازال طويلًا وشاقًا لتحويل المجتمع إلى التعاملات المصرفية، ويحتاج إلى تضافر الجهود بغية تغيير العادات السائدة، وكذلك قيام البنوك بتوسيع دائرة الاهتمام لتشمل جميع قرى ومدن مصر مع إزالة العقبات أمام تسهيل المعاملات، وعلى الحكومة العمل على إصدار التشريعات التي تحول دون انتشار المعاملات النقدية وتؤدي إلى تعزيز المعاملات المصرفية، مما يساعد على تعزيز الثقة في الجهاز المصرفي. كذلك أصبح من الضروري قيام الجهاز المصرفي بدوره في تعبئة المدخرات وتطويره بحيث يصبح أكثر قدرة على جذب المدخرات، خاصة في الريف المصري، وتوظيفها التوظيف الأمثل. وتشجيع التعاملات المصرفية وزيادة رقعة الجهاز المالي والمصرفي المنظم في الاقتصاد القومي، مما يؤدي في النهاية إلى الحد من التعاملات النقدية غير المنظمة. وفي هذا الإطار يمكن استخدام الأنماط الحديثة من مُقدِّمى الخدمات المالية التي تتيح إمكانات جديدة لغير المتعاملين مع البنوك. وتشتمل هذه الجهات على المنظمات غير الحكومية، والجمعيات تعاونية، ومؤسسات تنمية المجتمعات المحلية، وشركات تأمين وشركات بطاقات الائتمان، ومكاتب البريد، وغيرها من الأنشطة التي تتيح الوصول إلى منافذ البيع. كما يمكن الاستفادة من انتشار استخدام الهواتف المحمولة.
جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

أحمد سليم … أين ذهبت الأحزاب؟

في أوائل القرن الثامن عشر، شهدت مصر أول فعالية سياسية بتشكيل مجلس نيابي حمل عبر …