الرئيسية / كبار الكتاب / عبد الفتاح الجبالى … العمالة غير المنتظمة والحماية الاجتماعية (2)

عبد الفتاح الجبالى … العمالة غير المنتظمة والحماية الاجتماعية (2)

تناولنا فى المقال السابق الأوضاع العامة لسوق العمل المصري ووضع العمالة غير المنتظمة، وما تعانيه من غياب للحد الأدنى من الضمان الوظيفي حيث تعمل دون عقود قانونية أو تأمينات اجتماعية أو صحية، وهو ما يعرضها لأخطار شديدة وقد أحسنت البنوك العامة واتحاد التأمين صنعا حين اتفقا على إصدار وثيقة أمان تضمن الحد الأدنى للتأمين ضد بعض المخاطر، وهى خطوة ضرورية، ولكنها تحتاج إلى المزيد، فهذه الوثيقة تعد شكلا من أشكال التأمين التجاري وهى مسألة تختلف جذريا وفلسفيا عن التأمين الاجتماعي والذي يهدف بالأساس إلى ضمان حياة كريمة للأفراد بعد بلوغ سن التقاعد أو العجز أو حماية الأسرة بعد الوفاة، وهذا لن يتأتى إلا عبر إدماجهم في التأمينات الاجتماعية فالهدف الأساسي من نظم التأمينات الاجتماعية هو ضمان دخول حقيقية ونقدية لقطاع عريض من المواطنين الذين قاموا بما عليهم من واجبات تجاه الوطن في فترات سابقة من حياتهم الوظيفية وتضمن لهم الحفاظ على مستوى معيشي لائق، وبالتالي لم يكن من المتصور أن تتخلى الدولة عن هذا الدور الحيوي والمهم وبالتالي العمل على تحسين موارد النظام التأميني، وضمان حصول الأفراد على حقوقهم التأمينية يصبح واجبا وطنيا ينبغي أن تنشغل به كل التيارات والاتجاهات الفكرية بعيدا عن صراعاتها الأيديولوجية.

وما يحدث الآن في المجتمع يعد بمنزلة إلقاء حجر في المياه الراكدة لتحريكها وإعادة النظر مرة أخرى في نظام التأمينات الاجتماعية بمجمله والتأمين على العمالة غير المنتظمة على وجه الخصوص، وهو ما يطرح بدوره التساؤلات العديدة حول النظام القائم وسبل إصلاحه في ظل غياب الثقافة التأمينية عن المجتمع، وهى من أهم التحديات التي تواجه النظام الحالي وتنعكس بشدة في العديد من المؤشرات أهمها انخفاض نسبة التغطية والتي بلغت نحو 58٫3% حيث تقاس بعدد المشتركين في النظام إلى إجمالي القوى العاملة إذ بلغ عدد المؤمن عليهم في نهاية يونيو 2017 نحو 17٫5 مليون مشترك، بينما بلغت القوى العاملة نحو 30 مليونا،كذلك انتشار ظاهرة التهرب التأميني نتيجة لارتفاع نسبة الاشتراكات. ويأخذ التهرب التأميني عدة أشكال، منها الاشتراك عن عدد عمال أقل من الفعلي، أو الاشتراك عن بعض المدد التأمينية دون باقى المدد، أو الاشتراك بأجر أقل من الأجر الفعلي. ناهيك عن تأثير ذلك على سوق العمل في مصر من حيث زيادة العمالة في القطاعات غير الرسمية نظرا لتأثيره على تكلفة التشغيل. ويخلق حافزا قويا للخروج من سوق العمل المنظم. وكذلك الاشتراك عند الحد الأدنى لأجر الاشتراك المنخفض نسبيا، وهذا الأمر يؤدي إلى انخفاض قيمة المعاشات المنصرفة للشريحة العظمى من المشتركين مما يدفعهم للشكوى من النظام، للأسف فمازالت الأغلبية العظمى من المجتمع تنظر إلى الاستقطاعات التأمينية على أنها خصم من الدخل، وليست نوعا من الادخار المستقبلي لهذا السبب عمدت القوانين الأخيرة على زيادته خلال السنوات الخمس المقبلة، خاصة القانون رقم 80 لسنة 2017 والقانون رقم 60 لسنة 2016 والذي نص على أن يكون الحد الأدنى لأجر الاشتراك التأميني هو 400 جنيه شهريا يزاد بنسبة 25% سنويا لمدة خمس سنوات، ثم تعدل الزيادة إلى 10% سنويا.

يضاف إلى ما سبق ارتفاع قيمة الأرصدة المستحقة للصناديق على المشتركين، إذ تشير إحصاءات صندوق التأمين بالقطاع العام والخاص إلى أن إجمالي المديونية المستحقة له على القطاعات المختلفة قد ارتفعت إلى 22٫3 مليار في نهاية يونيو 2017 ومعظم هذه المديونية مستحقة على القطاع الخاص الذي ارتفعت مديونيته خلال الفترة نفسها إلى 18٫1 مليار ومن الغريب أن البعض يتعامل مع هذه المسألة على أنها مسألة ثانوية وليست ذات أهمية، وخير دليل على ذلك ما حدث مع أحد الأندية الكبرى أخيرا التي تشترى اللاعبين بالملايين المدفوعة نقدا وعدا، وتتقاعس عن سداد مستحقات التأمينات وتطالب بإعادة جدولتها على مدى زمني أبعد رغم توافر السيولة النقدية لديها.

وهذه الأمور وغيرها تؤثر بشدة على الأوضاع المالية للصناديق حيث يرتكز نظام التأمين الاجتماعي المصري على حسابات اكتوارية فنية محددة، وكذلك المزايا التأمينية ويقوم على قاعدة سداد الالتزامات التأمينية طوال فترة الارتباط بالعمل مع نظام للمزايا التأمينية المحددة. ويتم تطبيق النظام من خلال منظومة متكاملة من القوانين بعضها إجباري مثل القانون رقم 79 لسنة 1975. والقانون رقم 90 لسنة 1975 هذا فضلا عن القانون رقم 112 لسنة 1980 والقاضي بالتأمين الاجتماعي الشامل على العمالة غير المنتظمة، والذي تضمنت الفقرة الخامسة منه ما اصطلح على تسميته «معاش السادات» والذي مد الحماية التأمينية لكل من بلغ سن الخامسة والستين أو وقعت وفاته أو ثبت عجزه بالكامل ولم يستحق معاشا وفقا لقوانين التأمين الاجتماعي الأخرى قبل أول يوليو 1980. وخضع لأحكامه 16 فئة من فئات القوى العاملة وعلى رأسهم عمال الزراعة العاملون لحساب الغير، وأصحاب الحيازات الزراعية التي تقل عن فدان، وعمال التراحيل وعمال الصيد، والباعة الجائلون وغيرهم.

ويقوم تمويل هذا النظام على أساس مشاركة رمزية من المؤمن عليه وصلت أخيرا إلى 7% من الحد الأدنى لأجر الاشتراك. يضاف إلى ذلك بعض الرسوم التي تحصل على تراخيص العمل وتراخيص مراكب الصيد ورسوم على المحاصيل الزراعية وغيرها ورغم أن الخاضعين لأحكام هذا القانون تصل إلى 2٫12 مليون فرد إلا أن عدد من تم تسجيلهم فعلا لدى الصندوق المختص لم يزد عن 902 ألف فرد في نهاية يونيو 2017 وفي المقابل يتم صرف معاشات سنوية لعدد 1152٫8 ألف حالة يضاف إليهم نحو 102 ألف حالة معاش السادات. وبالتالي حماية العمالة غير المنتظمة يتطلب بالأساس إدخال تعديلات جوهرية على قانون التأمين الاجتماعي الشامل رقم 112 لسنة 1980 وتعديلاته بحيث يأخذ بعين الاعتبار كل التغيرات التي شهدها المجتمع المصري خلال العقود السابقة، ويحقق الهدف الأساسي منه، وهو ضمان حياة كريمة لهذا القطاع العريض من المجتمع فالنظام الحالي كان قائما على معطيات اقتصادية وديموغرافية كانت متاحة آنذاك. إلا أن العديد من التغيرات الجوهرية والتي أثرت بشكل مباشر وكبير في هذه المعطيات باتت تحث على ضرورة مراجعة النظم القائمة لاستحالة استمرار العمل بالمعادلات والافتراضات التي بنيت على أساسها.

جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

صالح الصالحي  … لعبــة الحيــاة

حينما تعيش في هذه الدنيا راضياً.. فأنت تسمو بنفسك وترتقي بها.. وتتضاءل الأشياء أمامك. في …