الرئيسية / كبار الكتاب / عبد الفتاح الجبالى … نحو مجلس موازنة مستقل

عبد الفتاح الجبالى … نحو مجلس موازنة مستقل

انتهى مجلس النواب المصرى أخيرا من مناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالى المقبل 2019/2018 وبعض القوانين الأخرى المرتبطة به، مثل منح علاوة خاصة للعاملين بالدولة، وزيادة قيمة المعاشات، وتعديل أحكام قانون رسم تنمية موارد الدولة.. وغيرها، وكلها أمور تهدف الى تحسين الأوضاع المالية وعلاج العجز، كما يناقش حاليا فتح اعتماد إضافى لموازنة 2018/2017 وذلك نتيجة لما ظهر من متطلبات إضافية خلال العام أدت الى زيادة كبيرة فى المصروفات الفعلية مقارنة بما كان مخططا له فى الموازنة، وهى السمة البارزة فى الآونة الحالية، حيث أصبحت الحكومة تلجأ كثيرا لفتح اعتمادات إضافية لتفادى أوجه الخلل التى تظهر اثناء العام، مما يشير الى عدم دقة الافتراضات التى بنيت عليها، وهنا يصبح التساؤل هو كيف يمكن تفادى مثل هذه الأمور بحيث نضمن خروج مشروع الموازنة معبرا بصورة حقيقية عن الأوضاع المالية للدولة، ويضمن تحقيق الغرض الأساسى منها وتحقيق الرقابة الدستورية والاقتصادية والمالية، والمشاركة الفعالة من جانب جميع فئات المجتمع. وهى أمور تتحقق عند صنع الموازنة وكذلك عند التنفيذ، وترتبط بأربعة أمور أساسية هي، آليات صنع الموازنة ودور السلطة التشريعية والمجتمع المدنى فيها، ومقدار الشفافية التى تتمتع بها فى مراحلها المختلفة، وآليات مناقشة الحساب الختامي. وإن كان من المتفق عليه بشكل عام أن السلطة التنفيذية هى السلطة المنوطة بإعداد مشروع الموازنة، فى حين أن السلطة التشريعية هى المسئولة عن الاعتماد والمراقبة. ويقع على عاتق مجلس الوزراء المسئولية الرئيسية فى تحديد أولويات التنمية لاقتصادية وتوفير الموارد اللازمة لتحقيقها. ويعتبر وزير المالية هو المسئول عن رسم وتنفيذ السياسة المالية. الا ان ذلك لا ينفى أهمية تفعيل الرقابة الشعبية والبرلمانية فهناك بعض أوجه القصور التى تحول دون ذلك، خاصة عدم وجود قدر كاف من الشفافية فى مراحلها الأولى وهى المرحلة التى تضع الأسس الرئيسية للموازنة. ويرجع السبب الرئيسى فى ذلك إلى أسلوب إعداد الموازنة حاليا. هذا ناهيك عن انه وبمراجعة مراحل إعداد الموازنة يلاحظ أن هناك جانبين فى أسلوب الإعداد يحدان من القدرة على تحديد الأولويات. الأول هو عدم وضع قيود أو حدود عليا على الإنفاق، وهو ما نأمل ان يتم فى إطار نظام الميكنة الجديد GFMIS، والذى من المفترض أن يضع القيود على الانفاق العام بحيث تراعى الاعتبارات المختلفة ويتم بناء عليها تحديد أولويات الوزارات المختلفة.

والثانى هو أن مراجعة الموازنة خلال العام المالى توضح بجلاء عدم الالتزام بالأولويات التى تم تحديدها مسبقا. حيث تلعب الضغوط السياسية دورا فى مراجعة بعض بنود الإنفاق بغرض تنفيذ مشروعات لم تكن متضمنة فى الموازنة الأصلية، هذا فضلا عن عدم وجود قيود أو حدود عليا على الموازنات التى تقدمها المحافظات أو الوزارات فى المرحلة الأولى لإعداد الموازنة فإن ذلك يدفع الجهات المنفذة إلى المغالاة فى وضع تقديراتها بشأن الإنفاق.

من هذا المنطلق تبرز أهمية إعادة النظر فى عملية صنع وتخطيط وإعداد الموازنة وتنفيذها، وهو ما يؤكد ضرورة التحديد الواضح للأدوار لكل من السلطتين التشريعية والتنفيذية فى هذا الخصوص على ان تتسم هذه العملية بالشفافية الكاملة فى مختلف مراحلها. وهو ما لن يتم إلا عبر إنشاء «مجلس موازنة مستقل» ككيان وسيط بين السلطتين التشريعية ممثلة فى مجلس النواب، والتنفيذية ممثلة فى الحكومة، يناط به مراجعة المشروع كاملا قبل عرضه على البرلمان، واقتراح ما يلزم من تعديلات وإجراءات وهى الفكرة المطبقة منذ عقود فى العديد من البلدان، حيث أنشئ أول مجلس فى هولندا عام 1945، وفى الدنمارك عام 1962، وفى النمسا عام 1970، وفى الولايات المتحدة الامريكية عام 1974، إلا ان العدد الأكبر تم إنشاؤه عقب الازمة المالية العالمية عام 2008 حيث توسعت البلدان فى إيجاد هذا المجلس حتى تضمن تعزيز آليات صنع الموازنة وضمان الشفافية والمساءلة، وإصلاح الأُطُر المؤسسية المنظمة لها، بما يضمن تعزيز المشاركة المجتمعية في صنعها، وإخضاع الحكومة للمساءلة والمحاسبة. وبعبارة أخري، فالأمر لا حيقتصر على مجرد تحسينات في صنع الموازنة، وهى مهمة وضرورية، ولكن الأمور أعقد من ذلك. إذ أنه يسهم في تحديد أولويات الإنفاق العام وفقا للخطط التنموية، وبما يعكس مصالح السواد الأعظم من المجتمع وهى مسألة غاية في الأهمية فى ضوء الواقع المصرى المعاش، حيث إن مناقشة مشروعي الموازنة العامة للدولة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، داخل البرلمان يشوبها العديد من أوجه القصور، بل ولا تحظى إلا بالنذر اليسير من المناقشات، التي تقتصر على المناقشة بين ممثلى الوزارات المختلفة مع وزارة المالية فيما يعد تكرارا لما تم عند إعداد المشروع، ولذلك فإن مساهمة البرلمان، في مناقشتها أو تعديلاتها محدودة للغاية. ويرجع السبب في ذلك إلى آليات صنع القرار داخل البرلمان حيث لا يتم عقد جلسات استماع للخبراء والجهات المعنيّة، مثل اتحادات العمال والصناعات والغرف التجارية وضَعف مشاركة المجتمع المدني والمنظمات الأهلية في النقاش والحوار حولها.

لذا يجب الحرص على إنشاء المجلس المستقل للموازنة بحيث يتبع البرلمان مباشرة، حيث إن إنشاءه يُعد مطلباً ضروريا ومهما نحو تفعيل الديمقراطية والمشاركة المجتمعية في صنع الموازنة، الأمر الذى يساعد على توسيع قاعدة المشاركة فيها وتعدد الأطراف الممثلة للمجتمع بما يضمن له تحقيق الأهداف المنوطة به وعلى رأسها كفاءة السياسة المالية، والمتابعة الدقيقة للسياسات المطبقة لتقويم آثارها الاجتماعية والاقتصادية. والتواصل مع المجتمع وشرح أهداف وآليات السياسات المُزمع تطبيقها بما يضمن التواصل الفعال مع المجتمع المدنى ومنظماته الأهلية. وفى هذا السياق، يجب أن يتضمّن المجلس في تشكيله ممثلين عن النقابات المهنية والاتحادات العمالية ورجال الأعمال واتحاد الصناعة والأجهزة الحكومية المعنيّة، بالإضافة إلى الشباب والمرأة وجمعيات المجتمع المدني. على أن يتم اختيار الأعضاء به عن طريق المنظمات المعنيّة بذلك، بالإضافة إلى عدد محدد يعينه رئيس الجمهورية من الخبراء والمتخصصين. مع تأكيد أهمية عدم الجمع بين عضوية هذا المجلس والحكومة وأى من المجالس النيابية. على ان يصدر بقرار من رئيس الجمهورية مما يمنحه المزيد من المرونة والاستقلالية بعيدا عن الحكومة أو البرلمان. ويصبح بوتقة تنصهر فيها الأفكار والآراء لتضع الرؤية الصحيحة والشاملة للوقوف فى وجه التحديات الراهنة والانطلاق الى آفاق المستقبل.

جريدة الاهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد… إنجاز يستحق الفخار

من حق الرئيس عبدالفتاح السيسي أن يُباهي العالم أجمع بهذا القدر الهائل غير المسبوق من …