الرئيسية / كبار الكتاب / عبد الفتاح الجبالي … الإنفاق العام وعجز الموازنة

عبد الفتاح الجبالي … الإنفاق العام وعجز الموازنة

استكمالا لحديثنا عن سبل إصلاح عجز الموازنة العامة للدولة وارتفاع الدين العام نتناول موضوع الإنفاق العام، وهو من الموضوعات التي تحظى بنقاش واسع ليس فقط في مصر ولكن على الصعيد الدولي، فمنذ أن ظهر مصطلح التقشف التوسعي على أيدي Francesco Giavazzi, وMarco Pagano عام 1990 وهو يحظى بقبول لدى صندوق النقد ومن سار على نهجه، حيث يرى هؤلاء ضرورة خفض الإنفاق العام حتى نتمكن من إعادة التوازن المالي للموازنة، والواقع أن دعاة هذه السياسة يعتمدون على حجة واحدة فقط إذا كان الانكماش المالي جزءاً من برنامج جدير بالثقة لتقليص العجز والديون ويهدف إلى الحد من حصة الحكومة في الناتج المحلي الإجمالي بشكل دائم، فإن توقعات عالم المال والأعمال سوف تلقى تشجيعاً هائلاً ويؤدي إلى المزيد من الثقة في الاقتصاد، وبالتالي المزيد من الاستثمار وهو ما يعوض الأثر الناجم عن انكماش الطلب الناتج عن خفض الإنفاق العام. ويؤدي إلى نمو أسرع في الاقتصاد مقارنة بالنمو في حالة عدم حدوث التصحيح المالي عن طريق الإنفاق العام، وهو المنهج الذي أخذ به العديد من البلدان ونسير عليه حاليا، فجميع الجهود المبذولة تركز في معظمها على جانب المصروفات دون الإيرادات خاصة الأجور والدعم رغم أن هناك جوانب عديدة في الإيرادات يمكن التعامل معها، وخير دليل على ذلك تراجع نسبة المصروفات العامة إلى الناتج من 30% عام 2014/2015 إلى 27% في مشروع موازنة 2018/2019، وتراجع الإيرادات من 19% إلى 18٫8% خلال نفس الفترة،

وجدير بالذكر أن هناك تغييرا كبيرا في النظر إلى هذه المسألة حيث ظهر العديد من الدراسات التي حذرت من هذه السياسة وكان أخرها تقرير الاونكتاد لعام 2017 الذي صدر تحت عنوان«ما وراء التقشف – نحو صفقة عالمية جديدة«، ويدعو إلى إعادة النظر في هذه المسألة، لأنها غير مجدية ولها تأثير سلبي على النمو وتوزيع الدخل وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وذلك لأن هذه السياسة تعمل في إطار مجموعة محددة للغاية من الشروط، وتفشل فشلاً ذريعاً عندما تكون هذه الظروف غائبة، وهناك العديد من الدراسات التي أكدت ذلك خاصة ما قام بها المفكر الاقتصادي بول كروجمان، بل إن صندوق النقد الدولي ذاته تراجع عن هذه المسألة حيث نشر دراسة بعنوان «الليبرالية الجديدة هل شابها الإفراط؟» تنتقد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها جميع برامجه الإصلاحية فيما يتعلق بالسياسة المالية حيث ترى أن سياسة التقشف التي كان يدعو إليها عن طريق تخفيض النفقات العامة خاصة على بعض الجوانب الاجتماعية كالأجور والدعم قد أدت في النهاية إلى المزيد من عدم المساواة وسوء توزيع الدخول، بل وأقر بأن هناك إفراطا شديدا في تخفيض الموازنات مما أدى إلى نتائج عكسية اضرت بأهداف النمو والعدالة الاجتماعية وحتى استمرارية السياسة المالية ذاتها.

ولذلك يرى أنه كان من الضروري والمهم أن تؤدي السياسة المالية إلى تعزيز النمو وتحقيق العدالة الاجتماعية على المدى المتوسط والبعيد. وترى كريستين لا جارد ان سياسة الإيرادات وسياسة الإنفاق متكاملتان وينبغي تقييمهما كحزمة واحدة لتحقيق أهداف المالية العامة والأهداف الاقتصادية والاجتماعية.   

من هنا فإن مناقشة مشروع الموازنة العامة يجب ألا تقتصر على تطور قيمة العجز، بل يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مدى مساهمته في ايجاد فرص عمل جديدة، ورفع معدلات الاستثمار وتغيير هيكل الإنتاج القومي. وبمعنى آخر فإن نجاعة السياسة المالية تقاس بالقدر الذي تسهم فيه النفقات العامة في زيادة التشغيل وامتصاص فائض العمالة بالمجتمع وفي النهاية بقدرتها على توليد المزيد من الإيرادات العامة في الأجلين المتوسط والطويل.

وهنا يجدر بنا تصحيح خطأ شائع فى المجتمع وبين المسئولين إذ أنهم حينما يتحدثون عن المصروفات العامة يشيرون إلى أنها توزع على الأجور والدعم وخدمة الدين العام، ولذلك لا يتبقى الا النذر اليسير للإنفاق على الجوانب الاجتماعية مثل الصحة والتعليم. وهي المقولة التي تتكرر كثيرا، ووجه الخطأ هنا هو الخلط بين التقسيم الاقتصاي (أجور ودعم وشراء سلع وخدمات. الخ) والتقسيم الوظيفى والذى يتم بمقتضاه تصنيف المصروفات العامة على الوظائف والأهداف التى تستهدف الحكومة تحقيقها سواء كانت أهدافا اجتماعية أو اقتصادية، وبالتالى فهو يوزع بين التعليم والصحة والدفاع والحماية الاجتماعية وغيرها. وبالتالى فالأدق هو إما أن نتحدث عن عدم كفاية الأموال المتبقية للاستثمارات الحكومية بما فيها الاستثمار في التعليم والصحة وذلك وفقا للتقسيم الاقتصادي، أو نقوم بتحليل الإنفاق الحكومي العام وفقا للتقسيم الوظيفي والذي يتيح التعرف على مدى عدالة توزيع النفقات على الوظائف الاجتماعية المختلفة.

ولذلك فإن علاج عجز الموازنة لا يعنر إنهاءه بل يشير ببساطة إلى المستوى الذي يصبح عنده الاقتصاد قادرا على النمو دون مشكلات تضخمية أو ركود، وهو مستوى يجب البحث عنه بدقة وعناية في ضوء الخبرة ذالتاريخية للاقتصاد القومي، وكذلك الأوضاع الاجتماعية الراهنة. وهى مسألة يجب ان تتم فى إطار رؤية تنموية متكاملة ومن منظور شامل وواسع يأخذ بعين الاعتبار علاج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد القومي ويدفع عجلة التنمية إلى الأمام. وهو ما يتطلب بالضرورة تحول النقاش من حجم العجز إلى مكونات الإنفاق العام والهيكل الضريبي … الخ. وبمعنى آخر فان التركيز على خصائص السياسة المالية لا موقفها هو الأجدى والأنفع من المنظور التنموي.

بل وقد يكون من الأجدى والأنفع للمجتمع وجود حجم معين من العجز في الموازنة شريطة أن يؤدي ذلك إلى تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية فزيادة الاستثمار العام كنسبة من الناتج لتحسين البنية الأساسية المادية لتسهيل الاستثمار الجاد والمنتج، قد تؤدي إلى ارتفاع نسبة العائد على رأس المال أو إلى إنتاج سلع وخدمات لن يقوم القطاع الخاص بتوفيرها.

كما أن الإنفاق العام على التعليم يزيد من رأس المال البشري وبالتالي يعد بمثابة استثمار قومي جيد يقوم بتغطية تكاليفه من خلال زيادة الإنتاجية وزيادة الدخول. وهذا لا ينفي بالطبع أهمية العمل على تحقيق فاعلية الإنفاق العام عن طريق ضمان التأكد من أن هذا الإنفاق يذهب في الغرض المخصص له، وهي الأمور التي ينبغي أن تتوجه إليها الاهتمامات في عملية الإصلاح المالي….

جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد … لماذا هذا الدور التركي المزدوج؟

حسنا إن أكدت الخارجية المصرية أمس أهمية الكشف عن الحقيقة في اختفاء الصحفي السعودي جمال …