الرئيسية / كبار الكتاب / عبد الفتاح الجبالي العملات الرقمية والعولمة المالية(2)

عبد الفتاح الجبالي العملات الرقمية والعولمة المالية(2)

مازالت العملات الرقمية خاصة (البيتكوين) تتلاعب بالأسواق المالية الدولية، حيث صعدت خلال التعاملات التي تمت على مدار الأيام الماضية بنسب قياسية صاروخية، مخترقة حاجز الـ 19 ألف دولار قبل أن تتراجع إلى ما دون ذلك لتصل إلى نحو 15 ألفًا وهو ما يثير مخاوف وقلق السلطات المالية وذهول الباحثين والمحللين الماليين، خاصة انها تواصل تحقيق أرقام قياسية الواحد تلو الآخر فعلى مدى الأسبوع ارتفعت بحوالى الثلث، ومنذ بداية العام تضاعفت قيمتها بحوالى 15 مرة، مع العلم أن قيمتها لم تكن تتخطى بضعة سنتات عند نشأتها في فبراير 2009, يرى البعض أنها سوف ترتفع أكثر من ذلك بكثير لتحل محل الذهب, وقفزت القيمة الإجمالية لتعاملات البيتكوين إلى أكثر من 203 مليارات دولار مقابل 10 مليارات فقط عام 2016، وهو صعود أدى إلى مخاوف متزايدة من أن الفقاعة قد تنفجر بطريقة مثيرة.

وجدير بالذكر أن الأزمة تحدث في أسواق المال نتيجة ما يعرف اقتصاديًا بظاهرة «الفقاعة» «bubble». التي تتكون عندما يرتفع سعر الأصول بشكل يتجاوز قيمتها العادلة، على نحو غير مبرر. وهو ما يحدث عندما يكون الهدف من شراء الأصل هو الربح الناتج عن ارتفاع سعره وليس بسبب قدرة هذا الأصل على توليد الدخل. في هذه الحالة يصبح انهيار أسعار الأصل مسألة وقت عندما يكون هناك اتجاه قوي لبيع ذلك الأصل فيبدأ سعره في الهبوط، ومن ثم تبدأ حالات الذعر في الظهور فتنهار الأسعار ويمتد هذا الأثر نحو الأسعار الأخرى سواء في نفس القطاع أو القطاعات الأخرى. هذا فضلًا عن أن عملية إصدار النقد تُعد أحد أهم الوظائف للسلطات النقدية وتتم بناء على دراسة وتحليل اتجاهات النمو الاقتصادي ومعدل التضخم وغيرهما من العناصر المهمة، ويجب أن يقابلها رصيد من الذهب والعملات الأجنبية والصكوك الأجنبية وأي أوراق مالية تضمنها الحكومة فيما يسمى غطاء العملة، كما أن أي عملة ترغب في أداء دور على الصعيد العالمي ينبغي لها أن تؤدي ثلاث وظائف أساسية، وسيطة للمعاملات ووحدة للحساب ومخزن للقيم، وهو ما يتطلب توافر مجموعة من العوامل التي تُتيح لها تأدية هذه الوظائف أهمها مدى الثقة في الاستقرار الاقتصادي والسياسي للبلد المصدر لها وهي أمور غير متحققة في العملات الرقمية، وهنا يصبح التساؤل هل أصبحنا على مشارف نظام نقدي جديد يختلف عن القائم حاليًا في آلياته ومؤسساته؟ وهل أصبحنا على مشارف تحقيق النبوءة التي ذكرها الفن توفلر في كتابه المهم «تحول السلطة» والصادر عام 1992 حين أشار إلى أن «النقود الورقية تواجه ما يشبه الأيلولة التامة إلى الزوال، فمن الواضح أنها لا تمثل سوى رمز للعصر الصناعي المحتضر». إذ تشكل العملات الرقمية عدة تحديات أمام النظم النقدية والبنوك المركزية، لأنها تتسم بدرجة عالية من التقلب والمخاطر وكثافة استخدام الطاقة، ولأن التعامل التكنولوجي الذي تستند إليه لم يصبح بعد قابلًا للقياس لكنها وعلى الجانب الآخر تجد دعمًا كبيرًا من الأسواق الدولية خاصة بعد أن بدأ التعامل الرسمي بها في بورصة شيكاغو فيما يعتبر الخطوة الأساسية لتقنين التعامل بها ويعطيها شرعية ويعترف بها كأصل مالي يمكن التداول عليه وهي مسألة مهمة في ضوء ما كان معمولًا به من قبل باعتبارها عملة لا تنطبق عليها قواعد الاستثمار، لكن مع دمج هذه العملات في أسواق المشتقات فإنها تصبح قادرة على الحصول على معايير تقييم واقعية, وهي أمور من شأنها تعزيز جاذبيتها وزيادة الثقة فيها. ولم تقتصر خطط إطلاق العقود الآجلة على البورصتين الأمريكيتين، فقد أعلنت البورصات المالية في اليابان، عزمها طرح عقود آجلة لها في أسرع وقت ممكن وهي خطوات جاءت بعد تزايد طلبات المؤسسات الاستثمارية الراغبة في الدخول الآمن إلى السوق، وكلها أمور ستكسب العملة الرقمية مزيدًا من الزخم. في ضوء الانتشار الواسع لأجهزة الكمبيوتر وسهولة الوصول إلى الإنترنت وتزايد الاستخدام للهواتف الذكية وغيرها من الأدوات التكنولوجية التي تساعد على التوسع في عمليات الدفع الإلكتروني مع الأخذ بالحسبان إن العقود الآجلة هي نوع من عقود المشتقات المالية التي تسمح بالتداول على أساس تحركات الأسعار دون شرط ملكية العملة ذاتها.

ويرى المؤيدون لهذه العملات أنه يمكن الاستفادة من الوضع الحالي إذ أن نصف البالغين في أنحاء العالم، أو نحو 2.5 مليار نسمة، لا يحصلون على خدمات مالية رسمية، 75% من الفقراء لا يتعاملون مع البنوك بسبب ارتفاع التكاليف، وبُعد المسافات، والمتطلبات المرهقة لفتح حساب مالي.

يضاف إلى ذلك تضاؤل حجم الأصول المالية التي تدر عائدًا مناسبًا إذ أن أقل من 5% من هذه الأصول (حوالي 1٫8 تريليون دولار) هي التي تدر عائدًا يزيد على 4% مقابل 80% (نحو 15٫8 تريليون) قبل الأزمة ولهذا يذهب المستثمرون إلى مستوى أعلى من المخاطر لتحقيق إيرادات أعلى.

ومن هنا أصبح هناك تحد أساسي في الأسواق الدولية يتعلق بالصراع بين العملات الرقمية التي أصبحت منافسًا قويًا للعملات المحلية, وتحد قوي أمام صانعي السياسة النقدية في إطار السعي نحو الشمول المالي, وهنا ترى كريستين لاجارد مدير صندوق النقد الدولي أن المشكلات التي تعانيها هذه العملات حاليًا تتعلق بتحديات تكنولوجية يمكن التغلب عليها مستقبلًا ومن ثم تلافي الآثار السلبية، وترى أنه ليس من الحكمة استبعادها لأنها ستصبح في يوم من الأيام أسهل في التعامل وأكثر أمنًا من الحصول على العملات الورقية خاصة في المناطق النائية وهو ما يراه المؤيدون لهذه العملات لأن هذه المعاملات تتم مباشرة بين الأطراف المختلفة وغالبًا ما تكون عابرة للحدود وبالتالي فهي أقل تكلفة وأسهل وقليلة المخاطرة, وهكذا يبرز العديد من المخاطر الجديدة التي تهدد الاستقرار المالي والنقدي الدوليين مع زيادة عدم اليقين في المؤسسات الاقتصادية والأجهزة المصرفية والقواعد التنظيمية بشكل عام، وكلها أمور تقوض الاستقرار المالي العالمي.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

طوق النجاة لمباحثات الخرطوم بقلم : مكرم محمد أحمد

حسناً أن علقت قوى الحرية والتغيير فى السودان عصيانها المدني، وطالبت برفع الإضراب السياسي بنهاية …