الرئيسية / كبار الكتاب / عبد الفتاح الجبالي …القضايا الاقتصادية والولاية الثانية (3)

عبد الفتاح الجبالي …القضايا الاقتصادية والولاية الثانية (3)

في إطار عرضنا لأهم القضايا الاقتصادية التي يجب أن ننشغل بها خلال المرحلة الثانية يأتي الحديث عن تشجيع الادخار المحلي، وهى قضية تكاد تكون مهملة في جميع الأحاديث الحكومية ولدى صانعي السياسة الاقتصادية على وجه الخصوص وذلك على الرغم من أهميتها القصوى وهو ما سبق أن أوضحناه في العديد من المقالات السابقة، وإذ من المعروف أن جزءا كبيرا من حل أزمة مصر الاقتصادية يتطلب بالأساس زيادة معدل الاستثمار بما يتراوح بين 25و30% بينما المحقق الآن لا يزيد على 15% ويرجع السبب الجوهرى وراء ذلك في انخفاض معدل الادخار المحلي والذي يعد أحد أهم مصادر تمويل الاستثمارات، بل هو المصدر الرئيسي لها، حتى في ظل تدفق رؤوس الأموال الأجنبية.

وإذا كان تحقيق مستوى مرتفع للنمو الاقتصادي يتطلب إحداث زيادات منتظمة في رأس المال وكذلك في فاعلية استخدامه، فإن ازدياد حجم الاستثمارات لن يكون قابلا للاستمرار إلا إذا تحقق بشكل ينسجم مع وجود وضع اقتصادي سليم وبيئة استثمارية مناسبة. وهو ما يتطلب أيضا، وبنفس القدر، الاهتمام بتعبئة المدخرات المحلية. ومن ثم فإن اجتذاب المدخرات الخارجية يتطلب أولا زيادة المدخرات المحلية وتعبئتها في استثمارات رشيدة ومنتجة. وبالتالي فإن زيادة معدلات النمو تتطلب أولا زيادة المدخرات لتحفيز تكوين رأس المال. إذ كلما ارتفع معدل الادخار أثر ذلك بالإيجاب على معدلات النمو فزيادة الادخارات تؤدي لزيادة النمو، وكذلك زيادة النمو تؤدي لرفع مستويات الادخار.

وهنا نلحظ أن معدل الادخار المحلي في تراجع مستمر ووصل إلى معدل منخفض للغاية لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع معدلات الاستثمار المطلوبة لرفع معدل النمو بما يحقق الأهداف التنموية للبلاد. حيث وصل إلى 3٫1% عام 2016/2017 وهو معدل متدن للغاية وبالتالي اتسعت فجوة الموارد المحلية لتصل إلى 12% وهذه الفجوة يتم تمويلها إما عن طريق الاستثمار الأجنبي أو بالاقتراض الخارجي ولكل منهما مشاكله وقضاياه وحدوده أيضا، خاصة أن الدين الخارجي قد تزايد بصورة كبيرة خلال الآونة الحالية كما اختلفت تركيبته بحيث أصبح الدين قصير الأجل يمثل نسبة لابأس بها من الإجمالي وهي كلها أمور تشير إلى صعوبة الاستمرار في سياسة الاقتراض الخارجي ومن ثم يجب العمل بقوة على زيادة المدخرات المحلية.

وهنا يجب التفرقة بين المدخرات الإجبارية وهي التي تتم وفقا للقانون مثل التأمينات الاجتماعية، والمدخرات الاختيارية التي يقوم بها الأفراد طواعية مثل الودائع لدى الجهاز المصرفي وصناديق توفير البريد وكذلك شهادات الاستثمار والتأمينات التجارية، كما يجب التفرقة بين مدخرات القطاع العائلي ومدخرات قطاعات الدولة الأخرى مثل الحكومة وقطاع الأعمال والقطاع الخاص.

ومع تسليمنا الكامل بأن تراجع الادخار المحلي يرجع في جانب كبير منه إلى عجز الموازنة العامة للدولة. إذ تشير الإحصاءات الختامية لمصفوفة الادخار والاستثمار إلى أن القطاع العائلي استطاع تعبئة مدخرات لا بأس بها خلال الفترة الماضية إلا أنها استخدمت في معظمها لإقراض الحكومة وتمويل عجز الموازنة. وهنا تشير مصفوفة تمويل الاستثمارات عن عام 2016/2017 إلى أن المجتمع استطاع تجميع مدخرات بنحو 514٫3 مليار جنيه (معظمها من القطاع العائلي بنحو 376،8 مليار) استخدم منها 236٫6 مليار (بنسبة 51٫3%) لتمويل عجز الموازنة و250٫7 مليار لتمويل الاستثمارات وبمعنى آخر فإن الزيادة المستمرة في عجز الموازنة العامة للدولة تعد عنصرا أساسيا في ضعف المدخرات المحلية.

من هذا المنطلق يلاحظ المتتبع لمدخرات القطاع العائلى أن معدلاتها فى تناقص مستمر، سواء داخل الجهاز المصرفى أو توفير البريد وشهادات الاستثمار، هذا فضلا عن ارتفاع معدلات الاكتناز والاستمرار في تفضيل التعامل النقودي عن التعامل المصرفي، وذلك على الرغم من المحاولات المستمرة التي يبذلها البنك المركزي والبنوك من أجل تعميم الشمول المالي، بهدف تيسير الوصول واستخدام وتقديم المنتجات والخدمات المالية الرسمية إلى مختلف الشرائح في المجتمع، بأسعار معقولة وبعدالة وشفافية بدلا من الحصول عليها من خلال القنوات غير الرسمية وتوسيع نطاق العمل المصرفي ليشمل جميع الفئات والسكان مثل سكان الريف والفقراء والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر ودمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي الأمر الذي يؤثر بالإيجاب على معدلات الادخار إلا انها مازالت تفتقر إلى العديد من الآليات التي تساعد في تحقيق هذه المسألة. وهنا تشير المؤشرات الإحصائية إلى العديد من الظواهر السلبية من أهمها ارتفاع نسبة النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي في هيكل السيولة المحلية حيث ارتفع من 14.2% عام 2009 إلى 16.6 % عام 2011 وإلى 17.9% عام 2014 وذلك قبل أن يهبط إلى 16.5% إلى 14٫4%خلال عامي 2015/2016 و2016/2017. جنبا إلى جنب مع انخفاض نصيب الودائع المصرفية مع الأخذ بالحسبان أن هذا التراجع يرجع إلى الزيادة في الودائع بالعملات الأجنبية نتيجة للتغير في سعر صرف الجنيه المصري منذ نوفمبر 2016 وهو ما أثر بدوره على التوزيع النسبي لمكونات السيولة المحلية.

هذا فضلا عن انخفاض النقد المتداول من العملات فئات العشرين جنيها والفئات الأقل، مقابل الزيادة الكبيرة في العملات فئتي (مائة جنيه ومائتي جنيه) حيث ارتفعت الثانية من 24.2% عام 2009 الى6 52.2% عام 2016 وإلى 55٫1% عام 2017، وإلى 56٫7% نهاية نوفمبر 2017 وجدير بالذكر أن معظم البلدان التي تبنت الشمول المالي منهجا لها قامت بسحب الأوراق النقدية ذات الفئات الكبيرة من التداول حيث قامت الهند بسحب الأوراق فئة 100 و500 روبية ويعتزم البنك المركزي الأوروبي وقف طباعة الورقة النقدية فئة 500 يورو عام 2018 وذلك بعد أن أثبتت الدراسات أن العملة ذات الفئات الكبيرة تلعب دورا مهما في انتشار الفساد والدخول غير المشروعة ناهيك عن ارتفاع معدل الاكتناز بالمجتمع والذي ظهر جليا في الأموال التي توجهت إلى شركات توظيف الأموال في ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن، فضلا عن تلك التي استثمرت في شهادات قناة السويس وغيرها.

ومن الغريب أن يطرح البعض في هذه الآونة المزيد من الخفض في أسعار الفائدة، على الرغم من ارتفاع التضخم وهو ما يمكن أن يؤدي إلى قيام البعض، خاصة المدخر الصغير، بسحب جزء من ودائعه لدى الجهاز المصرفي إما للاكتناز أو للاستهلاك وهو ما يؤدي في الحالتين إلى تراجع حجم المدخرات المحلية وليس تشجيعها كما نتمنى وبعبارة أخرى يجب العمل على تشجيع المدخرات المحلية بكل الوسائل والسبل.

جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد … لماذا هذا الدور التركي المزدوج؟

حسنا إن أكدت الخارجية المصرية أمس أهمية الكشف عن الحقيقة في اختفاء الصحفي السعودي جمال …