الرئيسية / كبار الكتاب / عبد الفتاح الجبالي المجلس الأعلى للضرائب.. ضرورة أساسية

عبد الفتاح الجبالي المجلس الأعلى للضرائب.. ضرورة أساسية

تشير المؤشرات المالية للدولة إلى الانخفاض الكبير في مساهمة الضرائب في الاقتصاد القومي والضعف الشديد في الطاقة الضريبية، رغم أنها تشكل نحو 78% من إجمالي الإيرادات العامة ومع استمرار التزايد في عجز الموازنة يصبح من الضروري البحث عن كيفية الوصول إلى الطاقة الضريبية المثلى، وإيجاد نظام ضريبي أكثر كفاءة وعدالة، بحيث يؤدي الدور المنوط به، مع الأخذ بالحسبان إن عدالة أي نظام ضريبي لا يمكن تقييمها بمعزل عن الانفاق الذي يموله.

وهنا يفرق الاقتصاديون بين الطاقة الضريبية الممكنة والطاقة الفعلية والفرق بينهما يعبر عن قدرة الدولة على فرض ضرائب جديدة دون إحداث آثار اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية سلبية ولا يمكن تحملها، أي تحقيق إيرادات ضريبية أكثر عن طريق القضاء على الأسباب التي تسهم بشكل جوهري في تناقص الحصيلة، دون التأثير على معدلات النمو وحوافز الاستثمار وتتوقف هذه المسألة على عدة عناصر أساسية تتعلق بمستوى النمو الاقتصادي، ونمط توزيع الدخول، والتوزيع القطاعي للدخل القومي. بالإضافة إلى إنتاجية الإنفاق العام، والقدرة الإدارية للأجهزة الحكومية على تحصيل الضرائب.

من هذا المنطلق يتسم الهيكل الضريبي المصري بعدة سمات يأتي على رأسها ضعف الجهد الضريبي والذي يُقاس بنسبة المتحصلات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتشير الإحصاءات إلى تراجع نسبة الإيرادات الضريبية من الناتج رغم الزيادة النسبية في الأرقام المطلقة إذ ارتفعت من 207.4 مليار جنيه عام 2011/2012 إلى 628 مليارًا عام 2017/2018 إلا أن نسبتها إلى الناتج قد انخفضت من 15.8% إلى 14.1% خلال نفس الفترة. ووصلت نسبة تغطية الإيرادات الضريبية للمصروفات العامة إلى 51% عام 2017/2018 وبعبارة أخرى فقد أصبحت الإيرادات الضريبية لا تكفي لسداد نصف المصروفات العامة للدولة. وهو ما يرجع إلى العديد من الأسباب يأتي على رأسها محدودية المجتمع الضريبي إذ مازال هناك العديد من الأنشطة والقطاعات التي لا تخضع للنظام الضريبي المصري يقع معظمها لدى أصحاب الدخول العليا وأصحاب الثروات بسبب ما يتمتع به هؤلاء من نفوذ سياسي واجتماعي، الأمر الذي يمكنهم من مقاومة أي تعديلات تشريعية تحاول أن تمس دخولهم، وخير دليل على ذلك الصخب الشديد من جانب هؤلاء عند الحديث عن فرض ضرائب على المعاملات في البورصة والأرباح الرأسمالية الناجمة عنها. ناهيك عن قدرتهم على التخلص من الضريبة، سواء عن طريق تجنبها وهو تخلص مشروع أو التهرب وهو تخلص غير مشروع، وهكذا فبدلًا من بذل المزيد من الجهود لتوسيع المجتمع الضريبي بحيث يشمل كل أصحاب الدخول والأرباح، إلا ما يراه المشرع في غير صالح الاقتصاد القومي، فإن التركيز ينصب على زيادة الأعباء على الممولين الفعليين، وكأننا نعاقب الممول الملتزم بفرض المزيد من الضرائب عليه، بدلًا من محاولة الوصول إلى الشرائح المجتمعية الأخرى.

وخير دليل على ذلك التركيب الهيكلي للحصيلة الضريبية حيث تشير الإحصاءات إلى الزيادة الكبيرة في الدور الذي تلعبه ضريبة القيمة المضافة، والتي ارتفعت نسبتها من 34.9% عام 2011/2012 إلى 41.6% عام 2017/2018.وذلك بسبب التوسع الكبير في هذه الضريبة خلال الفترة السابقة. مع التراجع المستمر في الحصيلة من الضرائب الجمركية رغم الزيادة المستمرة في قيمة الواردات المصرية خلال الفترة. فضلًا عن الزيادة الكبيرة في الضرائب على الممتلكات حيث ارتفعت نسبتها في الهيكل الضريبي إلى 8.2% ويرجع السبب في ذلك إلى فرض ضريبة على العائدات من أُذون وسندات الخزانة المصرية، وذلك بمقتضى القانون رقم 114 لسنة 2008 والذي أخضع عوائد أذون وسندات الخزانة للضريبة بسعر 20% وذلك دون خصم أي تكاليف. هذا جنبًا إلى جنب مع زيادة إصدار الخزانة العامة للدولة لهذه الأوراق المالية لتغطية العجز المستمر في الموازنة العامة للدولة والارتفاع المستمر في القائدة على هذه الأوراق. كما تراجعت مكانة الضرائب الأخرى والتي تتمثل أساسًا في الضريبة على القيم المنقولة المحسوبة على العائدات على السندات التي في حوزة البنك المركزي والبنوك التجارية والمتمثلة أساسًا في سندات البنك المركزي والسندات على البنوك التجارية. فضلًا عن اختلال العبء الضريبي بين الأنواع المختلفة إذ تصل حصيلة الضريبة على الرواتب والأجور إلى نحو 45.8 مليار جنيه عام 2017/2018. بينما تصل حصيلة ضريبة المهن الحرة 1.6 مليار وذلك مقابل نحو 16.6 مليار من الأرباح التجارية والصناعية. فضلًا عن اختلال العبء الضريبي بين مكتسبي النوع الواحد من الدخل خاصة فيما يتعلق بضريبة الرواتب والأجور ومافي حكمهما.

الأمر الذي يدفعنا للمطالبة بمراعاة ما يمكن أن نسميه الطاقة الضريبية للممول فإذا كانت الأدبيات العلمية تتحدث عن الطاقة الضريبية للمجتمع فإننا يمكن أن نتحدث وبنفس القدر على الطاقة الضريبية للممول ومقدرته على تحمل مختلف أنواع الضرائب والرسوم وغيرها في ضوء الدخول والمستويات المعيشية في المجتمع، وهي قضية يجب أن يبحثها المجتمع بالجدية التي تتناسب مع أهميتها، وهو ما يجعلنا نطالب بضرورة الإسراع بإنشاء المجلس الأعلى للضرائب المنصوص عليه في قانون الضرائب على الدخل والمنوط به القيام بمثل هذه الدراسات والقياسات. وهو ما تنص عليه المواد من 139 إلى 146 في قانون الضرائب على الدخل رقم 91 لسنة 2005 والتي أناطت بالمجلس العديد من المهام الأساسية منها دراسة القوانين واللوائح المنظمة لشئون الضرائب على اختلاف أنواعها، واقتراح تعديلها بالتعاون مع الحكومة والجهات الإدارية المختصة، كما يجب عرض مشروعات القوانين واللوائح التي تقترحها الحكومة بالنسبة للضرائب بمختلف أنواعها لمراجعتها وأخذ الرأي فيها قبل عرضها على مجلس النواب. وفي هذا السياق صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 358 لسنة 2010 في منتصف ديسمبر 2010 والقاضى بإنشاء المجلس الأعلى للضرائب محددًا اختصاصاته وآليات العمل وغيرها من الأمور المنظمة له، ولكن، وعلى الرغم من مرور كل هذه المدة فإنه لم ير النور حتى الآن، وهو ما يدفعنا للمطالبة بسرعة إنشاء هذا المجلس في ضوء التطورات السريعة والمتلاحقة في المجتمع، وما تقوم به الحكومة المصرية حاليًا من إصلاحات جوهرية في بنية النظام الضريبي، بحيث يقوم المجلس بالمساعدة في هذه الأمور.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

خطوات لبناء الوطن … أحمد سليم

إعادة بناء الدول لا تتم بالتصريحات والوعود والأحلام.. إعادة البناء تتم عبر خطط ودراسات وعرق …