الرئيسية / كبار الكتاب / عبد الفتاح الجبالي … سبل علاج عجز الموازنة وإصلاح المالية العامة

عبد الفتاح الجبالي … سبل علاج عجز الموازنة وإصلاح المالية العامة

بدأت لجان مجلس النواب المختلفة في مناقشة مشروعي خطة التنمية الاقتصادية والموازنة العامة للدولة عن العام المالي 2019/2018، وذلك بعد أن انتهت تقريبًا من مناقشة الحساب الختامي عن العام المالي 2017/2016، وكلها وثائق مهمة وضرورية نتمنى أن تأخذ حقها من مناقشة موضوعية، نظرًا لأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة اليومية للمواطن خاصة بعد أن أصبح العجز والدين العام يمثلان عقبة أساسية أمام صانع القرار في اتخاذ ما يراه مناسبًا من إجراءات؛ لتحسين معيشة السواد الأعظم من المجتمع، لكل هذه الأسباب وغيرها أصبحت مسألة إصلاح المالية العامة وتوليد المزيد من الإيرادات وتوجيهها نحو الإنفاق والتعامل مع الدين العام، من الأمور السياسية الساخنة أكثر من أي وقت مضي، في معظم بلدان العالم وأصبح هناك مطلب عام بضرورة استعادة الجانب الأخلاقي في الفكر الاقتصادي، بما يؤدي إلى أن تركز عملية صنع السياسات الاقتصادية على المصلحة العامة، بوصفها قيدًا أساسيًا على آلية السوق، وهو ما يعني السماح للجميع بإطلاق قدراتهم مع ضمان توجيه هذه القدرات نحو أهداف مشتركة متفق عليها في إطار خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، لهذا لم يكن غريبًا أن تناقش الوثيقتان معًا، حيث أن الأولى هي التعبير المالي عن الثانية وعلى الرغم من تراجع العجز الكلي في الموازنة العامة من 12٫5% عام 2015/2016 إلى 10٫9% عام 2016/2017 إلا أنه مازال عند مستويات مرتفعة، ناهيك عن ارتفاع حجم الدين العام (المحلي والخارجي) بصورة كبيرة، حيث وصل إجمالي دين أجهزة الموازنة إلى نحو 106% في نهاية مارس .2018 الأمر الذي أدى إلى ارتفاع عبء الدين (الفوائد والأقساط) إذ تشكل الفوائد فقط نحو 70% من الإيرادات الضريبية في مشروع موازنة 2018/2019، أي أن خدمة الدين المرتفعة تؤدي إلى تحويل الموارد إليها بدلًا من الاستثمار في المجالات الحيوية والخدمات الاجتماعية الضرورية، ولذلك من الضروري أن تبذل الحكومة الجهود لوضع العجز والدين في اتجاه تنازلي ثابت وفي اتجاه الأهداف التنموية على الأجل المتوسط، وهنا يصبح التساؤل ماهي أفضل السبل للتعامل مع العجز والحد من خطورته؟ وكذلك السيطرة على الدين العام؟ وهي مسألة مثارة بشدة في الأدبيات الاقتصادية حيث يرى البعض أن خفض الإنفاق العام هو أفضل الوسائل المحققة لذلك، بينما وعلى النقيض من ذلك يرى الآخرون أن خفض الإنفاق يلحق ضررًا كبيرًا بالنمو الاقتصادي، وبالتالي يجب المزيد من الإنفاق. والسؤال هل هناك حد أمثل لعجز الموازنة يمكن أن يتحقق دون أن يؤدي إلى آثار سلبية على الاقتصاد القومي والمجتمع ككل؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب فما هو هذا الحد وكيف يمكن تحديده أو قياسه؟ وهل هذا الحد يصلح لجميع البلدان بغض النظر عن ظروفها الاقتصادية وأوضاعها الاجتماعية؟ ولا شك أن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها ليست بالبساطة التي يتصورها البعض ،خاصة أن الدراسات تؤكد أن نفس مستوى العجز يمكن ،أن ينتج عنه آثار اقتصادية شديدة الاختلاف من دولة لأخرى وذلك حسب هيكل الإنفاق العام والهيكل الضريبي والأساليب المختلفة لتمويل العجز. فهناك ارتباط وثيق بين الطريقة التي يمول بها العجز والأهداف الاقتصادية التي تسعى الحكومة إليها، كما أن علاج عجز الموازنة لا يعني إنهاءه بل يشير ببساطة إلى المستوى الذي يصبح عنده الاقتصاد قادرًا على النمو دون مشكلات تضخمية أو ركود، وهو مستوى يجب البحث عنه بدقة وعناية في ضوء الخبرة التاريخية للاقتصاد القومي، وكذلك الأوضاع الاجتماعية الراهنة. وهو ما يجب أن يتم في إطار رؤية تنموية متكاملة ومن منظور شامل وواسع يأخذ بعين الاعتبارعلاج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد القومي ويدفع عجلة التنمية إلى الأمام، وبالتالي ينبغي أن توجه سياسات الإصلاح المالي إلى تحقيق هدف النمو الاقتصادي على الأجل الطويل، وذلك عن طريق رفع كفاءة الاستخدام للموارد المتاحة وتنميتها. وهو ما يتطلب بالضرورة تحول النقاش من حجم العجز إلى مكونات الإنفاق العام والهيكل الضريبي إلخ. فالتركيز على خصائص السياسة المالية لا موقفها هو الأجدى والأنفع من المنظور التنموي. وبالتالي يجب تطبيق السياسة المالية الذكية وهي التي تقوم على النمو الاحتوائي وتتجنب عدم المساواة في توزيع الدخول الذي يعيق عملية التنمية ويضعف التماسك الاجتماعي، وهو ما يتطلب استخدام الأدوات المالية بطريقة سليمة وبالذات الضرائب عبر الاتجاه نحو الضرائب التصاعدية والإصلاح الضريبي الشامل مع تبسيط الإجراءات وإلغاء الإعفاءات، وعلى الجانب الآخر إصلاح الإنفاق العام وخفض الإنفاق غير الضروري والمظهري، والحفاظ على الاستثمارات العامة الدافعة للنمو وتحسين كفاءتها وتحسين جودة الخدمات العامة كالصحة والتعليم، فزيادة الاستثمار العام لتحسين البنية الأساسية المادية لتسهيل الاستثمار الجاد والمنتج، قد تؤدي إلى ارتفاع نسبة العائد على رأس المال. كما أن الإنفاق العام على التعليم يزيد من رأس المال البشري وبالتالي يعد بمثابة استثمار قومي جيد يقوم بتغطية تكاليفه من خلال زيادة الإنتاجية وزيادة الدخول وهذا لا ينفي بالطبع أهمية العمل على تحقيق فاعلية الإنفاق العام عن طريق ضمان التأكد من أن هذا الإنفاق يذهب في الغرض المخصص له، والعمل على بناء حيز مالي عن طريق توليد المزيد من الموارد العامة، خاصة من الأصول المملوكة للدولة وغير المستغلة وهو ما يمكن أن يولد عائدات كبيرة للخزانة العامة من هنا يحتاج التحرك نحو إصلاح السياسة المالية إلى سلة من الإجراءات والسياسات تتفاعل مع بعضها البعض وتتناول جميع جوانب السياسة المالية الإيرادات والنفقات بل وأيضًا أسلوب إعداد الموازنة. ولكن مع التنبيه على خطورة علاج العجز بمزيد من الانكماش لأنه يعطل التنمية ويزيد من مشكلة البطالة ويؤثر بشدة على مستوى معيشة الأفراد، ولذلك علاج العجز ينبغي أن ينطلق من عدة مبادئ أساسية تكمن في أن علاج العجز لا يعني القضاء عليه بل الوصول به إلى مستويات مقبولة مجتمعيًا، كما أن هذا العلاج سوف تترتب عليه تكاليف معينة يجب أن تتحملها الشرائح الاجتماعية المختلفة وفقًا لاعتبارات العدالة. وأخيرًا فإن علاج العجز يجب أن يتم على مدى زمني متوسط وطويل وليس على المدى القصير.
جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد الليكود يستقيل.. ما العمل؟

رغم محاولاته المستميتة الإبقاء على تحالف الليكود في الحكم بأي ثمن كان حتى بعد أن …