الرئيسية / كبار الكتاب / عبد الفتاح الجبالي … سياسات الأجور والقطاع الخاص

عبد الفتاح الجبالي … سياسات الأجور والقطاع الخاص

حسنا فعلت الحكومة المصرية بتقديمها مشروعات قوانين الحماية الاجتماعية، المتعلقة بزيادة رواتب وأجور العاملين في الجهاز الإداري للدولة سواء المخاطبون بقانون الخدمة المدنية أو غير المخاطبين فضلا عن زيادة المعاشات ورفع الحد الأدنى لها وهى كلها إجراءات تهدف إلى تحسين معيشة الأفراد والتخفيف من عبء التضخم وارتفاع الأسعار عن كاهل المواطنين، بالإضافة إلى مساندة الفئات الهامشية ومحدودي الدخل وهو توجه حميد يجب أن يستمر وذلك انطلاقا من كون السياسة الاقتصادية يجب أن تظل في خدمة الأفراد والمجتمع.

ومن المتفق عليه أن زيادة الأجور تعد أهم الطرق التي تستطيع بها الحكومات ضمان الحد الأدنى من مستويات المعيشة اللائقة لقطاعات لا بأس بها من السكان. خاصة أن الأجور تعد المصدر الأساسي للإنفاق الاستهلاكي لقطاع عريض من المجتمع، وبالتالي فهي تسهم في إنعاش الاقتصاد القومي، وذلك في ضوء الميل المرتفع للاستهلاك لدى هذه الشريحة. ولهذا لم يكن مستغربا أن يعيد «صندوق النقد الدولي» النظر في مسألة وضع حد أقصى على مجموع الأجور في الإنفاق العام لدى الدول التى تقوم بتنفيذ برامجه، وذلك بعد أن ثبت أن تحديد الأجور في هذه البرامج قد أضر ببرامج تشغيل العمالة في أهم القطاعات الخافضة للفقر مثل الصحة والتعليم، كما أضر بجودة توصيل الخدمات وأعاق التوسع فيها، ومن ثم أعاق التقدم في تحقيق أهداف التنمية للألفية الجديدة. ولذلك تراجعت نسبة البرامج التي تتضمن مثل هذه الحدود القصوى لفاتورة الأجور بصورة كبيرة خلال العقد الماضي. لكن تظل المشكلة في الجزء الغائب عن الصورة، فالحكومة بالإجراءات السابقة لا تخاطب المجتمع ككل ولكنها تخاطب شريحة معينة هم العاملين بالدولة والجهاز الإداري والهيئات الاقتصادية والقطاع العام وقطاع الأعمال العام وهؤلاء جميعا يشكلون نحو 21٫5% من إجمالي المشتغلين، ويتوزع الباقي على القطاع الخاص المنظم بنسبة 31٫3% والقطاع غير المنظم بنسبة 45٫8%، وهنا يصبح التساؤل وماذا عن هؤلاء خاصة أنهم يتأثرون بالتضخم مثل أقرانهم في الحكومة والقطاع العام. فأي سياسة لتحسين الأجور والدخول يجب أن تشمل المجتمع ككل ولا تقتصر على فئة دون أخرى، بل يجب أن تسمح للجميع بالعيش في أمن وكرامة، وبالتالي يجب أن تعود بالنفع على جميع شرائح المجتمع. وهذه المسألة من الأهمية بمكان ويجب أن تحظى بالاهتمام من جانب المهتمين. وعلى الجانب الآخر مازالت سياسات الأجور لدى القطاع الحكومي والعام أفضل بكثير من السائدة لدى القطاع الخاص، وخير دليل على ذلك قيام الحكومة بتطبيق الحد الأدنى للأجور والذي وصل إلى 1200 جنيه شهريا لدى القطاعات المنضوية تحت الموازنة العامة للدولة والهيئات الاقتصادية، ولكنها لم تتمكن من تطبيقها على القطاع الخاص، ناهيك عن عدم الالتزام بقوانين العمل وتنظيماته وتوفير التأمين للعاملين ضد الصدمات. وهنا تشير البيانات إلى أن المتوسط الشهري للأجور النقدية لدى القطاع العام والحكومة أعلى من مثيله في القطاع الخاص.

وعلى الرغم من أن قانون العمل الحالي رقم (12) لسنة 2003 أنيط به تنظيم هذه المسألة لأنه هو القانون العام الذي يحكم علاقات العمل في المجتمع، وفقا لما جاء في المادة الثالثة منه. حيث يطبق على جميع العاملين فى المجتمع باستثناء العاملين بأجهزة الدولة، كما أفرد القانون المذكور الباب الثالث بكامله للحديث عن الأجور، فأشارت المادة (34) إلى المجلس القومي للأجور والذي أنيط به وفقا لهذه المادة وضع الحد الأدنى للأجور على المستوى القومة بمراعاة نفقات المعيشة والوسائل والتدابير التي تكفل تحقيق التوازن بين الأجور والأسعار، وكذلك وضع الحد الأدنى للعلاوات السنوية الدورية بما لا يقل عن 7 % من الأجر الأساسى. مع تحديد هيكل الأجور لمختلف المهن والقطاعات والأنشطة بالدولة لتحقيق التوازن المطلوب في توزيع الدخل القومي، إلا أن ذلك لم يتم حتى الآن للعديد من الأسباب يأتي على رأسها الأزمة الاقتصادية التي مرت بها البلاد على مدى السنوات السابقة وغيرها من الامور، ولكن الآن وبعد أن استقرت الأوضاع فقد أصبحت الحاجة ملحة إلى ضرورة أن يحظى العاملون بالقطاع الخاص بنفس المزايا التى يحظى بها أقرانهم في القطاع الحكومي، ليس فقط لاعتبارات العدالة رغم أهميتها، ولكن أيضا لأنها تساعد على تحقيق الأهداف التنموية للبلاد التي تسعى إليها الحكومة المتمثلة فى جعل القطاع الخاص أكثر جاذبية للعمالة من القطاع الحكومى المكتظ أصلا بالعمالة. من هنا فقد أصبح من الضروري على منظمات الأعمال ـ خاصة اتحاد الصناعات المصرية واتحاد الغرف التجارية وجمعيات المستثمرين ـ دعوة جميع الأعضاء لتفعيل هذه المسألة، عن طريق الاتفاق على علاوة غلاء للعاملين لديهم ووضع حد أدنى للأجور يتناسب مع طبيعة المهن المختلفة، خاصة أنه اللاعب الرئيسي بالأسواق، فى ضوء الاستراتيجية التنموية الحالية التى قوامها الاعتماد على آلية السوق وجهاز الثمن، باعتبارهما المحور الأساسي لرفع كفاءة الاقتصاد القومي. ولذلك أفسحت المجال واسعا له للدخول في معظم مجالات النشاط الاقتصادي، فأصبح يسيطر سيطرة كبيرة على إنتاج وتداول عدد كبير من السلع والخدمات الاستهلاكية والوسيطة والاستثمارية

ولذلك نرى أن هناك إمكانات كبيرة لمساهمة القطاع الخاص فى تهدئة الضغوط التضخمية السائدة بالبلاد، وهو ما ينعكس بالإيجاب على المناخ الاستثمارى ويساعد القطاع الخاص نفسه على إجراء وتقدير جدوى استثماراته المستقبلية بصورة صحيحة تمكنه من اتخاذ القرار الاستثمارى السليم. وبعبارة أخرى يجب المواءمة بين اعتبارات الربح من جانب المستثمرين وحق المواطن في الحصول على السلعة بأسعار مناسبة.

وهنا قد يرى بعض المستثمرين أن الظروف الحالية غير مشجعة على ذلك في ضوء الزيادات المستمرة في تكاليف المدخلات، سواء تعلق ذلك بأسعار الطاقة او غيرها من مستلزمات الإنتاج، وعلى الرغم من الوجاهة النظرية في هذه المقولة إلا أنها ليست صحيحة على الإطلاق، فمازالت معظم التكاليف الأخرى ثابتة ومعقولة إلى حد كبير، ومازالت أسعار مدخلات الإنتاج، رغم زيادتها خلال الفترة الماضية، مناسبة تماما إذا ما قورنت بالبلدان المنافسة. خاصة في ضوء الامتيازات الأخرى التي يحصل عليها هذا القطاع. وبالتالي هناك دور مهم وحيوي يقع على كاهل القطاع الخاص المصري، خاصة خلال المرحلة الراهنة والتي تمر بها البلاد والتي تتطلب مشاركة فعالة وقوية لهذا القطاع إذا أراد أن يكون شريكا حقيقيا وفاعلا في العملية التنموية بالبلاد.

جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

صالح الصالحي  … لعبــة الحيــاة

حينما تعيش في هذه الدنيا راضياً.. فأنت تسمو بنفسك وترتقي بها.. وتتضاءل الأشياء أمامك. في …