الرئيسية / كبار الكتاب / قسوة الحياة بقلم: صالح الصالحي

قسوة الحياة بقلم: صالح الصالحي

فجأة نفقد أشخاصا  ممن حولنا.. شغلتنا أمور حياتنا عن التواصل معهم.. ولكن في لحظة فقدانهم تشعر بشيء غريب داخلك.. ولا تعلم سببا لهذا الشعور..هل كان بسبب المفاجأة من رحيلهم.. على الرغم من أنك تعلم أننا كلنا على موعد مع الفراق.. مع الموت الذي يخطف منا أصحابنا وأهالينا .. فهو حق.. كل شيء يولد لابد أن يموت.
وعندها تشعر بالندم أنك قصرت في التواصل مع هؤلاء الاشخاص وتتمني عودتهم لتصحح الخطأ.. لكن الوقت قد فات ولم يعد يسمح لك برؤيتهم أو حتى السؤال عليهم بالتليفون.. الذي لم يكن يكلفك شيئا في حياتهم.
وتجد نفسك في حزن شديد لا تعرف مبررا له.. فقد يكونون من الأصدقاء الذين فرضت عليك الأيام إلا تجتمع بهم إلا في مناسبات نادرة.. وباعدت بينك وبينهم الأيام.. وعندها تتذكر ما كان بينك وبينهم من ذكريات جميلة ومواقف بها من الشيء الحسن ما يجعلك تحزن على فراقهم المفاجئ.
هو الموت الذي لا يستأذن ويدق أبوابنا جميعا كل يوم يأخذ ما يأخذ ويترك لنا الأحزان والذكريات.. أعمارنا تمر ونتقدم في السن في رحلة حياة .. نودع في أولها آباءنا وأساتذتنا ويأتي الدور علي زملائنا وأصدقائنا.. وأحيانا يخطف الموت من هم أصغر منا سنا.. ليقول لك توقف  راجع نفسك.. صحح أخطاءك.
ويا سبحان الله هي النفس البشرية.. لا تهتز ولا ترتبك إلا في لحظة وقوع الحدث وسرعان ما تعود ريمة لعادتها القديمة وننغمس في دوامة الحياة مرة اخري ونقصر مع أشخاص آخرين وبعدها نندم وهكذا نخرج من حالة لأخرى دون أن نتعلم أن هذه الحياة لا حديث فيها سوى الموت والميلاد.. فهو حال كل الكائنات الموجودة على الأرض حتي الجماد ينتهي عمره بكسره وإلقائه في سلة المهملات.. ويأتي عليه يوم لا تنفع معه الصيانة ولا الإصلاح ولا حتى إعادة  التدوير.. فله عمر مثل عمر الإنسان.. كلنا زائلون عابرون في هذه الدنيا منا من يتعلم ومنا من يعيش ويموت ولا يتعلم.
لكن حالة الحزن التي تسيطر علي الإنسان تختلف باختلاف مراحل عمره فالطفل لا يعرف الحزن لأنه غير مقدر لقيمة الأشياء أو الأشخاص.. بمعني أدق يحزن علي فقدانه لأشيائه المادية لكن سرعان ما ينسي لأن لديه غيرها.. كلما تقدم الإنسان في العمر تجد حالة الحزن أقوى لديه في شدتها وفي مدتها على الرغم من نضجه ووعيه الذي يزيد بمرور الأيام وإدراكه لسنن الحياة والكون إلا أنه كلما تقدم في العمر يحزن على فقدانه الأحباب والأصحاب.  ويصبح مهيأ حتي للحزن على أحوال أناس لا يعرفهم بمجرد الحديث عن مصائبهم أو أمراضهم وكيف رحلوا.. فكلما كبر الإنسان أصبحت مشاعره أكثر رقة ورهافة وأصبح تعاطفه مع الآخرين أقوى بكثير من مرحلة شبابه التي كان يلهو فيها ويتمتع بكل شيء حوله فلم يأت اليوم بعد الذي يحرم فيه من طعام معين أو أي لذة جسدية أصبحت تمثل خطورة على حياته بتقدمه في السن.. فهو دائما ما يجد العوض في أشياء أخرى.. فالعمر أمامه والغد ملكه يستطيع أن يعوض كل شيء مهما كان.
لكن بعد رحلة عمر الإنسان ومن كثرة ما يلاقيه من مواجع وأحزان وفقدانه لأناس لن يعوضوا.. تجده يعرف قيمة من أحبه قبل رحيله.. ولم يقدر هذا الحب أو العطف ومن قدم له معروفا في حياته وأصبح في دنيا جديدة لا يستطيع أن يقدم فيها أي شيء .. فالكل يريد أن يأخذ منه أو على الأقل أصبح هاتفه لا يرن إلا اذا كان لأحد طلب عنده .. وليس لمجرد السؤال عليه.
فتخلو الحياة من حولك برحيل رفقاء الطريق الذين أصبحوا يتساقطون الواحد تلو الآخر.. وقبلهم من كانوا يساندونك ويعطفون عليك وتصل رحلة  حياتك ربما للمحطة الاخيرة أو قبل الأخيرة. في انتظار موعدك.. ولكنك تكون وحدك فهذا هو أرذل العمر .. سبحان الله !!
هذه هي الحياة بل قسوة الحياة.. نولد..نموت.. ونرحل.. كلنا عابرون ويبقي الحزن في قلوب من ينتظر موعده.

جريدة الأخبار

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد … أنفاق حزب الله وصواريخ إيران!

في عملية أمنية تسميها إسرائيل درع الشمال بحثاً عن شبكة أنفاق تحت الأرض حفرها حزب …