الرئيسية / كبار الكتاب / ليس بالدعم وحده تنمو الصادرات بقلم : عبدالفتاح الجبالي

ليس بالدعم وحده تنمو الصادرات بقلم : عبدالفتاح الجبالي

من الأمور المهمة التي جاء بها البيان المالي الذي ألقاه وزير المالية أمام البرلمان، والخاص بمشروع الموازنة العامة للدولة عن العام المالي 2019/2020 ما أشار إليه من زيادة قيمة الدعم الموجه للصادرات من 4 مليارات جنيه في موازنة العام الحالي إلى 6 مليارات في مشروع موازنة العام المقبل، بزيادة نحو 50%، بينما وعلى النقيض من ذلك تم تخفض العديد من بنود الدعم الأخرى بنسب متفاوتة كان أكبرها في الكهرباء بنسبة 75%، والمواد البترولية بنسبة 41% تقريبا، وكذلك السلع التموينية بنسبة 3.3% هذا مع ملاحظة أن المنصرف الفعلي على هذا البرنامج قد انخفض من 3300 مليون جنيه عام 2016\2017 إلى 2305 ملايين عام 2017/2018 استحوذت الصناعات الهندسية على 16% منه، والخضر والفاكهة على 15%، والصناعات الغذائية 14%، والكيماويات 9%، والملابس الجاهزة، 7%، والغزل والمنسوجات 5%، والمفروشات 4% ومن المفارقات أن معظم صادرات هذه الأصناف قد انخفضت خلال العامين المذكورين، وهنا نتساءل هل المطلوب الاستمرار في السياسة الحالية لدعم الصادرات على الوضع الحالي وزيادة المبالغ الموجهة إليها، أم من الأفضل توجيه هذه الأموال إلى بنود أخرى في الدعم؟ وهل هذه السياسة تسهم وبحق في زيادة الصادرات؟

هذا القطاع يعد المستفيد الأكبر من السياسة الاقتصادية الحالية خاصة التخفيض الذي حدث في الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية، حيث كان من المفترض أن يحدث آثارا إيجابية على حجم وقيمة الصادرات، وبالتالي خفض العجز في الميزان التجاري المصري وهو مالم يحدث، إذ أنه ووفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن قيمة الصادرات ارتفعت من نحو 23 مليار دولار عام 2016 إلى 26 مليارا عام 2017 ونحو 29 مليارا عام 2018، وفي مقابل ذلك انخفضت الواردات المصرية من 71 مليارا إلى 67 مليارا قبل أن ترتفع إلى 81 مليارا خلال السنوات الثلاث على الترتيب وبالتالي ارتفع العجز في الميزان التجاري إلى 51 مليار دولار عام 2018 فرغم زيادة الدعم الموجه للصادرات، وكذلك التخفيض الكبير في قيمة الجنيه المصري، إلا أنهما لم يؤديا إلى النتائج المرجوة منهما، بل إن مصر مطالبة بتحقيق معدل نمو في الصادرات 35% سنويا لمدة خمس سنوات، من أجل استعادة نصيبها في حجم الصادرات العالية عام 1980.

فمع تسليمنا الكامل بأهمية قضية التصدير كأحد العوامل الحاكمة للسياسة الاقتصادية المصرية خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار عجز السوق المحلية وحده عن تحقيق هدف النمو المتواصل، حيث لا يوفر الطلب الفعال المناسب والقادر على القيام بدور محرك للنمو، وبالتالي فإن التوسع في الصادرات عموما والصادرات غير التقليدية على وجه الخصوص، يعد عاملاً أساسيا للنمو وامتصاص البطالة. وهو ما لن يتأتى إلا عبر استخدام جميع أدوات السياسة الاقتصادية ومن ضمنها الصادرات. ولكن يظل التساؤل هو هل البيئة الاقتصادية مهيأة لهذه المسألة؟ وماهي السياسات المطلوبة في المديين القصير والمتوسط حتى تستطيع مصر فتح آفاق جديدة أمام صادراتها ورفع قدرتها التنافسية؟

ومن المتفق عليه بين الاقتصاديين جميعا، أن الميزان التجاري يشكل أحد القيود الأساسية على حركة ميزان المدفوعات والاقتصاد المصري ككل، خاصة أن هذا الميزان يعكس الهيكل الإنتاجي للدولة وتطوره، وهو ما يظهر في المعاملات السلعية، وتركيبة السلع الداخلة في حركة التجارة. وتكمن خطورة هذه المسألة في ضوء تدهور نسبة تغطية الصادرات السلعية، للواردات السلعية حيث انخفضت من 43% عام 2013/2014 إلى نحو 41%، وهو مؤشر خطير، يجب أن يكون دافعا لمحاولة إعادة التوازن، بحيث تغطي الواردات السلعية النسبة الأكبر من الصادرات السلعية. فإذا كان من المقبول ألا تغطي قيمة الصادرات، القيمة الكلية للوردات، على اعتبار أن الثانية تشمل واردات استثمارية تستخدم في عمليات التكوين الرأسمالي، والتي لا يتحقق عائدها إلا في الأجل الطويل، إلا أنه من غير المقبول ألا تغطي قيمة الواردات الجارية. وهو أمر بالغ الأهمية بحيث يجب العمل على أن تغطي الصادرات السلعية النسبة الأكبر من الواردات السلعية. وتزايد أهمية هذه المسألة في ضوء هيكل الصادرات المصرية، الذي تغلب عليه، حتى الآن السلع التقليدية التي تستحوذ على 70% من الإجمالي. أن زيادة الصادرات ليست ممكنة في كل الحالات، فهذا أمر يتوقف على مستوى تشغيل عناصر الإنتاج، فإذا كانت هناك طاقات عاطلة في المجتمع فمن الممكن حينئذ زيادة إنتاج السلع التصديرية دون تقييد الاستهلاك المحلي شريطة أن يكون الجهاز الإنتاجي القومي قادراً على ذلك دون زيادة في المدخلات المستوردة.

وعلى الجانب الآخر فإن التحسن الذي طرأ على ميزان المدفوعات ككل، وتحويل العجز المزمن إلى فائض يعد إنجازاً مهما.. ولكن ينبغي عدم الاكتفاء بذلك فحسب، بل ينبغي جعل هذا الوضع قابلاً للاستمرار والاستقرار على المدى البعيد، عن طريق علاج الاختلالات والعوائق الهيكلية، خاصة وأن المجتمع المصري لديه من الإمكانات والمزايا التي تمكنه من تحقيق ذلك، حيث تتمتع القوى العاملة بمزايا الأجور التنافسية التي تتيح للدولة ميزة في الصناعات كثيفة العمل. كما يسمح المناخ في مصر لأرضها الزراعية بالتنوع في المحاصيل، ويتيح لها موقعها المتوسط، من حيث قربها من أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأقصى، سرعة النفاذ إلى الأسواق ويفتح الفرص أمامها لتكون مركزا للنقل والخدمات الأخرى، وقاعدة تنطلق منها الصادرات إلى المجتمع الدولي ككل. أى أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى سياسة تصديرية تهدف إلى إيجاد الصادرات وليست تنمية الصادرات، وهو ما لم يتأت إلا عبر إيجاد الميزة النسبية التي يمكن أن تتمتع بها الصادرات المصرية. وهكذا فإن السياسة الراهنة مازالت تحتاج إلى تعديل شديد، إذ أنها مازالت قائمة على أساس التوجه الداخلي وتصدير الفائض، مع ما يعنيه ذلك من تأثر الكميات المصدرة بمستويات الاستهلاك المحلية. والأهم من ذلك تدهور أوضاع الإنتاج والإنتاجية بالمجتمع، بحيث لم يعد الجهاز الإنتاجي قادراً على تلبية الطلب (بشقيه المحلي والخارجي) وهو ما يتطلب إعادة تخصيص الموارد المتاحة بالمجتمع بغية جعلها أكثر قدرة على التخصص في إنتاج سلع التجارة الدولية.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

حاتم زكريا .. نهائيات كأس أفريقيا نـجـحـت قبل أن تبدأ

تنطلق الليلة نهائيات بطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم فى دورتها رقم 32 بمباراة الافتتاح …