الرئيسية / كبار الكتاب / مكرم محمد أحمد … أردوغان المعزول وليس ولي العهد السعودي

مكرم محمد أحمد … أردوغان المعزول وليس ولي العهد السعودي

الأمر الواضح في قمة العشرين التي انعقدت أمس في بوينس أيريس، أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لم يعان أي عُزلة، الكل صافحه والكل تحدث معه، والكثيرون طلبوا لقاءه بمن في ذلك رئيس وزراء الهند ورئيسة وزراء بريطانيا والعديد من القادة الحضور، لكن المصافحة الأكثر قوة والأكثر ترحيبًا جاءت من الرئيس الروسي بوتين الذي استقبل ولي العهد السعودي ضاحكًا وهو يصافحه بقوة، وكان رد ولي العهد السعودي أكثر حرارة وهو يُربت على يد الرئيس الروسي بوتين بود شديد، وربما تكون الملاحظة الوحيدة التي سجلها المراقبون، أن ولي العهد السعودي رد على حديث قصير للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلًا، لا تقلق، لكن الرئيس الفرنسي جاوبه قائلًا، إننى قلق بالفعل! ثم جاء المتحدث باسم الرئاسة الفرنسية ليؤكد أن الرئيس الفرنسي نقل إلى ولي العهد السعودي طلبًا بضرورة إشراك مراقبين دوليين في تحقيق قضية مقتل خاشقجي، ورد محمد بن سلمان على طلب الرئيس الفرنسي قائلًا لا تقلق.. وباستثناء هذه الملاحظة مر اليوم الأول من اجتماع قمة العشرين بسلام، وهي القمة التي تنعقد سنويًا وتضم أكبر الاقتصاديات العالمية التي تُشكل 85% من الناتج الإجمالي للعالم أجمع، وثلاثة أرباع حجم التجارة الدولية.

ورغم جهود الأرجنتين الدولة المضيفة في أن تمر قمة العشرين هادئة بسلام، أحاطت قمة بوينس أيريس في البداية ظلال كثيفة من التشاؤم بسبب إعلان الرئيس الأمريكي ترامب إلغاء لقائه الرئيس الروسي بوتين نتيجة مضاعفات الأزمة الأوكرانية، فضلًا عن أن أغلب التوقعات كانت تشكك في إمكانية أن تصل المباحثات بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج حول الحرب التجارية المستعرة بينهما منذ أكثر من عام إلى تسوية سياسية يقبلها الطرفان، وأن فُرص نجاح مباحثاتهما تكاد تكون مُنعدمة، وأن الطرفين يستعدان للذهاب إلى التحكيم الدولي، وعلى عكس كل التوقعات حقق الرئيس الأمريكي انتصارًا كبيرًا في أول أيام انعقاد قمة بوينس أيريس بتوقيعه اتفاقًا تجاريًا جديدًا لدول شمال أمريكا يضم أمريكا وكندا والمكسيك، يراجع القواعد القديمة التي تنظم التجارة الإقليمية لدول شمال أمريكا والتي يصل حجمها إلى تريليون ومائتي مليار دولار وينهي نزاعًا استمر ما يقرب من 25 عامًا.. وفي احتفال استمر نصف الساعة في الفندق الذي ينزل فيه الرئيس الأمريكي امتدح ترامب الاتفاق الجديد ووصفه بأنه اختراق وإنجاز حقيقي، مبشرًا جمهوره الانتخابي بأن الاتفاق الجديد يولد فرص عمل هائلة ذات عائد كبير ويزيد حجم الصادرات الزراعية الأمريكية، وربما يواجه بعض المتاعب المحدودة عند نظره في مجلس النواب الأمريكي الذي تسيطر عليه أغلبية ديمقراطية لكن الاتفاق سوف يمر، ومن المؤكد أنه يُعزز فُرص الرئيس ترامب في الحصول على فترة حكم ثانية، وقد تواصل الرئيس الأمريكي مع رئيس وزراء كندا جاستن ترودو بعد طول خلاف، وربما كان ترامب أكثر حرارة وودًا في تفاعله مع الرئيس المكسيكي أنريك بينيا نييتو الذي وقع الاتفاق في آخر يوم من فترة حكمه وقبل ساعات من تولي الرئيس المكسيكي الجديد أندريس مانويل لويس، وقد حيا الرئيس ترامب الرئيس المكسيكي المنتهية فترة رئاسته بحرارة شديدة مشيدًا بهذا الإنجاز الفذ في آخر أيام حكمه.

وربما اعتقد البعض أن هذا الإنجاز المتعلق بدول شمال أمريكا قد يعوض المصاعب الكبيرة التي تواجه قمة بوينس أيريس التي تتمثل في الحرب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة على الصين وعدد من الدول الأوروبية، تتضرر من فرض رسوم أمريكية جديدة على واردات أمريكا من الصلب والألمونيوم ومن الإجراءات الحمائية التي تتبعها الولايات المتحدة تحت شعار «أمريكا أولًا» قبل أن تقع المفاجأة الثانية من الرئيس ترامب، الذي اقترح أن يصدر عن لقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينج قرار بوقف إطلاق النار في الحرب المستمرة بين الصين والولايات المتحدة، استكمالًا ليوم ناجح حقق فيه انتصارًا مهمًا بتوقيعه اتفاق التجارة الحرة الجديد لدول شمال أمريكا، وقد أضفت تصريحات ترامب بعض التفاؤل على اجتماع العشاء الذي جمعه مساء أمس مع الرئيس الصيني، مؤكدًا أن الطرفين الصين وأمريكا يعملان بجد وثمة فرصة لإمكان توقع أخبار سارة بعد اجتماعه مع الرئيس الصيني، خاصة أن الرئيس ترامب أكد أن الصين تريد تسوية عادلة وكذلك نحن الأمريكيين وأن المفاوضات بين الجانبين تُنجز تقدمًا.

وربما يكون صعبًا على الطرفين الصيني والأمريكي تسوية كل المشكلات المعلقة مرة واحدة، لكن الأمر المؤكد أن وقف إطلاق النار في الحرب التجارية بين الجانبين يعني وقف التصعيد المستمر بينهما، الذي كان ينذر بجولة متبادلة جديدة من الإجراءات العقابية للطرفين، ويشكو الأمريكيون من أن الصين تغلق أبوابها وتختلق العراقيل كي تظل السوق الصينية مُغلقة أمام معظم السلع الأمريكية، لا يدخل منها في أسواق الصين إلا ما يحقق فوائد مؤكدة للصين، أهمها أن تنطوي على تكنولوجيات جديدة يمكن أن تفيد الصين التي تُلزم كل الشركات التي تتعامل معها بالإفصاح عما يسمونه النوهاو أو سر الصنعة كما يقولون.. وبتبريد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، يبتعد الطرفان عن اللجوء إلى التحكيم القضائي حلًا للنزاع، ويعودان إلى مائدة التفاوض بهدف الوصول إلى تسوية عادلة تحقق صالح الطرفين، الأمر الذي يمكن أن يؤثر إيجابيًا على حركة التجارية الدولية التي تعرضت أخيرًا لمشكلات ضخمة بسبب الإجراءات الحمائية التي اتخذتها الولايات المتحدة، عندما رفعت الرسوم الجمركية على وارداتها من الصلب والألمونيوم القادمة من الصين وعدد من الدول الأوروبية، وفي ضوء هذه المتغيرات الجديدة ربما تكون قمة العشرين التي عقدت في بوينس أيريس هي أهم القمم وأكثرها إنجازًا ولعلها أيضًا تكون القمة التي أتاحت لولي العهد السعودي محمد بن سلمان فرصة أن يعاود نشاطه ونشاط المملكة على مستوى العالم بعد أن وضحت رغبة الجميع في الحفاظ على استقرار السعودية التي تُشكل عامل أمن واستقرار لسلام الشرق الأوسط، كما تُشكل عامل توازن مهما بين الدول المنتجة والدول المستهلكة للبترول تساعد على ضبط أسعاره كي تكون في صالح الجميع، فضلًا عن دورها المالي في تحقيق التوازن بين الدول الصناعية والدول النامية.

لكن ما من شك أن أحدًا في قمة العشرين لم يكن تحت الملاحظة المستمرة على مدى انعقاد المؤتمر مثل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي يجىء إلى القمة تلاحقه قضية خاشقجي رغم تأكيدات ولي العهد بأنه ليس له علاقة بمقتل خاشقجي الذي حدث بسبب شخوص تجاوزوا اختصاصاتهم، صدرت بحقهم لائحة اتهام تُطالب بإعدام خمسة متهمين، ومن المؤكد أن الرئيس الأمريكى ترامب راغب بشدة فى إبراء ساحة ولى العهد كما أن الرئيس الروسى بوتين يعتقد أن القضاء السعودي هو المنوط به التعامل مع قضية خاشقجي دون تسييس، وقد يكون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو ضمن حضور المؤتمر الأكثر اندفاعًا في اتهام الحكم السعودي لأسباب ومنافع عديدة يمكن أن يجنيها، يدخل ضمنها الابتزاز المالي والرغبة في تقويض أمن السعودية لصالح رغبته الشيطانية في أن يُعيد عجلة التاريخ إلى الوراء ويُعيد مجد الخلافة العثمانية على أنقاض مصر والسعودية لا قدر الله، فضلاً عن أنه يمثل الآن رأس جماعة الإخوان المسلمين رأس الأفعى الذى تتعلق به الجماعة هرباً من مصيرها المحتوم، لكن أردوغان يكاد يكون معزولاً في قمة بوينس أيريس يرفض الرئيس الأمريكي لقاءه، بينما تؤكد وقائع اليوم الأول وصوره أن ولي العهد السعودي حاضر بقوة لا يعاني عُزلة سواء خلال الصورة التذكارية التي تم التقاطها لقادة المؤتمر حيث كان مكانه فى بداية الصف الثانى على اليمين، الجميع يصافحونه ولا أحد يتهرب من لقائه، كما لقى ولي العهد السعودي ترحيبًا واضحًا من الرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري الذي أكد أن قضية خاشقجي لا تزال على المائدة مفتوحة للنقاش سواء داخل المؤتمر أو خلال اللقاءات الثنائية، وكانت فاتحة لقاءاته في بوينس أيريس المباحثات التي أجراها ولي العهد في مقر إقامته مع رئيس وزراء الهند ولم يتم خلالها مناقشة قضية خاشقجي.

الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد يكتب : كيان مؤسسي لدول البحر الأحمر

أعتقد أن الجهود السابقة التي بذلتها القاهرة في ديسمبر الماضي، عندما استضافت لأول مرة اجتماعًا …