الرئيسية / كبار الكتاب / مكرم محمد أحمد … أردوغان يباغت الجميع

مكرم محمد أحمد … أردوغان يباغت الجميع

باغت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجميع بإعلانه تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة في 24 يونيو المقبل قبل عام ونصف العام من الموعد المقرر، وقد جاء قرار أردوغان مفاجأة كاملة لحزب الشعب الجمهوري المعارض الذي أُخذ على غرة وبوغت على نحو كامل إلى حد أن الحزب لم يكن قد حدد بعد اسم مرشحه الذي يخوض الانتخابات الرئاسية التي لم يتبقى على إجرائها سوى شهرين، وهو وقت غير كاف أمام الحزب المعارض يؤثر سلباً على قوة استعداده لخوض هذه الانتخابات، خاصة أن المعارضة لم تحدد بعد شكل مشاركتها في الانتخابات، وما إذا كانت سوف تدخل في تحالفات حزبية تمكنها من خوض الانتخابات كجبهة موحدة أو كأحزاب منفصلة، فضلاً عن أن المعارضة لم تعلن بعد أسماء مرشحيها، ولم تتمكن بعد من التوافق على مرشح للرئاسة يمثل جبهة المعارضة، بينما الوقت المتبقي لا يزيد على 70 يوماً، وهو وقت غير كاف لتجهيز منافس قوي يستطيع منافسة الرئيس الحالس أردوغان الذي يتربع على عرش السلطة منذ 15 عاماً رئيساً للوزراء ثم رئيساً للبلاد.

والواضح أن قرار تقديم موعد الانتخابات عاما ونصف عام جاء بعد اتفاق تم بين أردوغان وحليفه الأساسي زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي الذي يحوز على 40 مقعدا برلمانياً تشكل نسبة أقل من 12 في المائة في البرلمان الذي يضم 550 مقعدا, وبعد ارتفاع أسهم رجب طيب أردوغان في استفتاءات الرأي العام التركي بسبب نجاحه العسكري في احتلال منطقة عفرين السورية التي يمكن في المستقبل القريب أن تكون وبالا على تركيا ومستنقعاً جديداً يرى فيه كثيرون «فيتنام تركيا» القادم الذي يمكن أن يستنزف الكثير من جهدها.

وفي رأي محللين سياسيين أتراك أن التبكير بموعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية جاء نتيجة توقعات شبه مؤكدة بأن الوضع الاقتصادي التركي سوف يزداد سوءاً في المستقبل القريب، وأن اقتصاد البلاد في حالة تدهور مستمر وسوف يتعرض لاهتزازات شديدة تستهدف البلاد حتى عام 2019، بما يرفع نسبة البطالة إلى 13 في المائة، ترتفع إلى 24 في المائة في أوساط الشباب؛ بسبب التكاليف الضخمة التي تتحملها الدولة في عملية غزو منطقة عفرين السورية التي يمكن أن تؤدي إلى انخفاض مؤكد في شعبية حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه أردوغان، ويؤثر بالسلب على نتائج الانتخابات إذا ما جرت في موعدها السابق عام 2019، ومع ذلك فإن الانتخابات سوف تجرى في 24 يونيو، بينما تتصاعد حالة الغضب الشعبي في صفوف أكراد تركيا الذين لا يجدون مبرراً لتوريط البلاد في معارك ضد أشقائهم الأكراد في سوريا والعراق نتيجة دخول الجيش التركي منطقة عفرين السورية، وفضلاً عن ذلك فإن أكثر من ثلاثة آلاف شخص داخل القوات المسلحة التركية سوف يتعرضون لعمليات فصل مؤكد بدعوى أن لهم صلات قوية بحركة المفكر الإسلامي فتح الله جولن التي يدعى رجب طيب أردوغان أنها المسئولة عن محاولة الانقلاب العسكري التركي التي جرت عام 2016 وكانت نتيجتها سجن أكثر من 50 ألف شخص وفصل 150 ألفاً من وظائفهم بتهمة الانتماء إلى حركة جولن، بينما يتساءل جولن في لقائه الأخير مع التليفزيون الهولندي ما هو الدليل على وقوع هذا الانقلاب؟ وهل هناك تسجيل لمكالمة هاتفية واحدة تُثبت أن لي علاقة بالانقلاب؟ وهل ظهر شخص واحد يؤكد أنني طلبت منه أن يفعل شيئاً أو حصل على أي تعليمات مني! مؤكداً أن جميع إدعاءات أردوغان واهية لا سند لها في الحقيقة!

وبرغم هذه المشكلات يعتقد معظم المراقبين أن فرص نجاح أردوغان في الانتخابات الرئاسية المبكرة شبه مضمونة خاصة في هذا التوقيت إن فاز أردوغان في الجولة الأولى إلا إذا وقعت الإعادة وكان منافسه فيها عبد الله جول صديقه القديم الذي يملك تجربة سياسية واسعة ويتعاطف معه الرأي العام, ويمكن أن يكون منافساً قوياً لأردوغان، لكن نجاح أردوغان في جولة الانتخابات الأولى سوف يضمن له فترتي حكم جديدتين كل منهما خمس سنوات، يتمتع خلالهما بسلطات موسعة تضمن له حكماً أكثر شمولاً ونظاماً رئاسياً جديداً يحصل أردوغان بموجبه على المزيد من السلطات، حيث يتم إلغاء مكتب رئيس الوزراء وتقليص سلطات البرلمان بموجب استفتاء شعبي جرى في العام الماضي على عدد من التعديلات الدستورية تمت الموافقة عليها بأغلبية فاز فيها أردوغان بالكاد بنسبة 51 في المائة من أصوات الناخبين مقابل 49 في المائة.

وبهذا يصبح أردوغان أول رئيس يتولى المنصب بهذا الشكل الجديد الذي يمكنه من إصدار المراسم والقوانين والقرارات من جانب واحد، ويجعل منه كما قالت صحيفة الجارديان دكتاتوراً يملك كل السلطات الاستثنائية لملاحقة المعارضة ووسائل الإعلام إلى حد أن المسئولين فى باريس ولندن وواشنطن لم يعودوا يرون في أنقرة صديقاً أو حليفاً موثوقاً به، وإنما شخصية استبدادية تستخدم أيديولوجية جماعة الإخوان في بث الكراهية للأجانب والغرب، وتضاعف إحساس الجميع بعدم الأمان، وتأخذ تركيا إلى حكم فردي مستبد يعادي حرية الرأي والتعبير، ويفتح أبواب السجون والمعتقلات لكل من يخالفه الرأي.

ويزيد من خطورة أردوغان في الفترة القادمة احكام قبضته أخيراً على أهم منصة للصحافة المعارضة فى البلاد «دوغان ميديا» بعد إرغام مؤسسها ومالكها إيدين دوغان على بيعها إلى رجل الأعمال التركي يلديريم دميروان القريب الصلة من الرئيس التركي بمبلغ مليار و200 مليون دولار، وقد مارس أردوغان ولفترة زمنية طويلة ضغوطاً هائلة على «دوغان ميديا» تمثلت في فرض الغرامات الهائلة وتعسف مؤسسات الحكم ضد هذه المجموعة التى تملك 40 في المائة من أهم وسائل الإعلام التركي، ومن بينها صحف حريديت وميلليت وبوستا إلى أن رضخت في نهاية المطاف، وقبل مالكها بيعها وتسليمها إلى الحكم، لأن الخيار الآخر أمام مالكها دوغان البالغ من العمر 81 عاماً كان الذهاب إلى السجن فيما لو استمر في رفضه بيع إمبراطوريته الإعلامية. ويستخدم الرئيس رجب طيب أردوغان وسائل وأدوات مختلفة لتدجين صحف المعارضة وكبت حريات الرأى والتعبير وقال بيان أخير لاتحاد الصحفيين الأتراك إن 154 صحفياً تركياً يقضون أحكاماً فى السجون التركية، وأن السلطة تلاحق فى إطار حملات منظمة الصحف المستقلة والمعارضة وتغلق عشرات الصحف.

وينافس أردوغان فى الانتخابات الرئاسية القادمة ميرال اكشينار رئيسة حزب الصالح التركى التى يطلق عليها اسم المرأة الحديدية، وهو حزب معارض يمثل يمين الوسط تصل كتلته البرلمانية إلى حدود 12 نائباً، كما أعلن حزب الشعب الجمهورى المعارض قبوله الانتخابات المبكرة ووعد بإعلان اسم مرشحه فى أقرب فرصة بعد مشاورات مع كتلته البرلمانية والجدير بالذكر أن الترشح للانتخابات الرئاسية التركية يشترط الحصول على دعم من 100 ألف شخص، وعدم السماح لأى حزب سياسى خوض الانتخابات الرئاسية إلا بعد مرور 6 أشهر على مؤتمره الأول.

والواضح أن إكشينار رئيسة حزب الصالح التركى تملك هذه الشروط كما يملكها المرشح باسم حزب الشعب الجمهورى المعارض الذى لم يتم بعد إعلان اسمه، لكن ضعف أحزاب المعارضة التركية وعدم قدرتها على تنظيم صفوفها وتشتتها وتمزقها يقلل من فرص نجاحها فى الانتخابات القادمة، فى الوقت الذى يتمتع فيه أردوغان بسيطرة حاسمة على حزب العدالة والتنمية، ويبدو أيضاً أن الخلاف الأمريكى التركى أسهم فى رجحان كفة الانتخابات المبكرة، وزاد من فرص نجاح أردوغان، خاصة أن التوتر المتصاعد فى العلاقات التركية الأمريكية أشاع المخاوف لدى أعضاء حزب العدالة والتنمية من أن تلجأ واشنطن إلى إشهار سلاح العقوبات الاقتصادية فى وجه أنقرة، الذى يمكن أن يثير استياء الأتراك من الحزب الحاكم ورئيسه أردوغان، ومن ثم تصبح الانتخابات المبكرة هى الخيار المناسب لأن الانتظار حتى الموعد الرسمى للانتخابات فى نهاية 2019 قد يقضى على أى أمل فى التخلص من الأضرار التى يمكن أن يحصدها حزب العدالة وزعيمه أردوغان بسبب العقوبات الأمريكية المحتملة.

والواضح أيضاً أن مخاوف الرئيس التركى وحزبه من أن تزداد أوضاع الداخل سوءاً على مستوى الاقتصاد مع التراجع غير المسبوق فى سعر الليرة التركية واستمرار تآكل شعبية الحزب الحاكم فضلاً عن الحراك الداخلى المناهض للرئيس التركي، تشكل عوامل مهمة دفعت الرئيس التركى إلى الذهاب سريعاً إلى انتخابات مبكرة، وكأنه نوع من الهروب إلى الأمام لضمان الفوز بنسب عالية قبل أن يتراجع رصيد الحزب ورئيسه أردوغان، وهو الأمر المؤكد وقوعه فى الفترة القادمة بسبب تدخل تركيا العسكرى فى كل من سوريا والعراق والصراع المسلح مع قوات سوريا الديمقراطية المشكلة أساساً من الميليشيات الكردية السورية المعروفة بقدراتها العسكرية العالية، إضافة إلى الانتقادات الأوروبية المتزايدة لسلوك أردوغان الديكتاتورى الذى يتخفى فى صورة جديدة جعلت من الرئيس التركى السلطان العثمانى الجديد.

جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد … نقطة نور حتى نستكمل مسيرة الإصلاح !

يبدو من تأكيدات الرئيس عبدالفتاح السيسي أمس الأول أن استكمال الإصلاح الاقتصادي بات (فرض عين …