الرئيسية / كبار الكتاب / مكرم محمد أحمد ! الوقت قارب على النفاد

مكرم محمد أحمد ! الوقت قارب على النفاد

أكبر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها طهران الآن، أن تتجاهل الأسباب الحقيقية لأزمتها الراهنة التي دفعت المحتجين إلى الخروج في أكثر من 70 مدينة إيرانية بينها طهران وخورمنشاه وشيراز ومشهد، ليهتفوا بسقوط النظام ويطالبوا بالموت للمرشد الأعلى خامنئي، ويستنكروا الإنفاق الباهظ على حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن بينما تتضور فئات عديدة من المجتمع الإيرانى جوعاً، وتعلق كل أسباب الفشل الداخلي على تآمر قوى الخارج بمن فيهم إدارة الرئيس الأمريكي ترامب والإيرانيين في المنفى، بما يعنى أن الرسالة الصحيحة لم تصل إلى الحكم، وأن الحكم لا يزال يخدع نفسه ويصدق أن ما يجرى على امتداد عشرة أيام من قتلى جاوز عددهم 500 قتيل فضلاً عن آلاف الجرحى محض مؤامرة تم تدبيرها في الخارج، ورغم بعض الاعترافات التى صدرت عن الرئيس حسن روحاني تؤكد إن الشارع الإيراني الغاضب يرفع بعض المطالب العادلة والصحيحة فإن معظم الحوزة الحاكمة تصر على أن واشنطن هي الفاعل الأصلي، واتهم المدعي العام الإيراني عباس جعفري أمس واشنطن بأنها هي التي خططت لتنفيذ هذه الإضرابات كي تتواصل ليل نهار حتى تنهار قوات الأمن والشرطة وينهار النظام السياسي، وقال الجعفري إن ألبانيا كانت مركز قيادة العمليات ضد إيران خاصة مواقع التواصل الاجتماعي التي تدعو إلى إعلان العصيان المدني، وأن الأطراف الضالعة في المؤامرة تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل .

ورغم خروج بعض المظاهرات في عدد من دول الغرب والولايات المتحدة تدعو إلى مساندة المحتجين في المدن الإيرانية ودعم مطالبهم في التغيير وإقامة حكم ديمقراطي على أسس العدالة والحرية، فإن سير الأحداث يؤكد إن أولى المظاهرات خرجت في مدينة مشهد بتحريض من المحافظين ضد حكومة الرئيس حسن روحاني، لكن الموقف ما لبث أن تغير بخروج المحتجين فى 70 مدينة إيرانية ضد الحوزة الحاكمة بكاملها سواء في ذلك المحافظون أو الإصلاحيون، وأظهرت عشرات من مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لمواطنين إيرانيين يحرقون بطاقات الهوية الخاصة بهم فى أسلوب احتجاجي جديد أو يحرقون فواتير الماء والكهرباء معلنين إنهم لن يدفعوا قيمة هذه الفواتير، وأنهم مستمرون في انتفاضتهم لن يوقفهم القمع الأمني، كما تتوقع وكالة الاستخبارات الأمريكية استمرار التظاهرات رغم نفيها الضلوع فيها .

وثمة ما يشير إلى أن بعض المسئولين الإيرانيين يدركون حجم الخطر القادم إذا ظلوا على خلافاتهم الراهنة دون محاولة الوصول إلى حد أدنى من الاتفاق يساعد في نزع فتيل الأزمة، أول عناصره رفض قوائم الأسعار التى تقترحها الحكومة وإعادة النظر في أي مقترح يتعلق بالموازنة يمس معيشة المواطن ويزيد من وطأة الحياة على أصحاب الدخول المحدودة، وإعادة النظر في السياسات الاقتصادية الراهنة التي أدت إلى إفلاس كثير من مؤسسات الائتمان وضياع أموال المسهمين وأغلبيتهم من أصحاب المدخرات الصغيرة، وتقليص موازنة الحرس الثوري التي جاوزت 8 مليارات دولار، والحد من الإنفاق الباهظ على تصدير الثورة إلى الخارج ووقف المعونات الصخمة لحزب الله اللبناني وللحوثيين في اليمن وللأذرع العسكرية العديدة التي تعمل في الخارج .

وبرغم صحة المطالب فإن السؤال المهم، هل يمكن للنظام الإيراني أن يتوافق على تنفيذ هذه المطالب ومعظمها إن لم يكن جميعها يتطلب ضبط التوسع الإيراني خارج حدود إيران وانكماش دورها في حدود قدرتها المالية مع توقع المزيد من العقوبات الدولية على برامجها الصاروخية ومساعداتها عددا من المنظمات الإرهابية، كما أن الجناح المحافظ للحكم يعتقد إن مثل هذه السياسات من شأنها إضعاف الحكم وتمكين أعداء الدولة الإسلامية من النفاذ إلى داخلها، وأن الدفاع عن الثورة الإسلامية يتطلب مد نفوذها إلى الخارج وليس الانكماش داخلها .

ويدخل ضمن العناصر المهمة في الموقف، أن الإيرانيين ضاقوا ذرعاً بالحوزة الحاكمة وأساليبها، ولم يعد في وسعهم انتظار المزيد، وهم يطورون كل يوم أساليبهم في المقاومة بما يمكنهم من الاستمرار في حركاتهم الاحتجاجية وتوسيعها خاصة أن قضية المحافظين والإصلاحيين لم تعد تقنع كثيرين رأوا خيبة الأمل تتكرر أكثر من مرة، في ظل التوازنات الراهنة التي تعطي الغلبة للمحافظين الذين يملكون الجيش والحرس الثوري والأمن والمخابرات والإعلام، وسلطة الفقيه التي تجب كل السلطات، وما يجعل التغيير أمراً وارداً أن مساحة تأييد الحوزة الحاكمة تزداد تقلصاً وأنها تفقد مع كل محاولة احتجاجية جزءاً مهماً من سلطتها المطلقة على الحياة والناس، إلى حد أنها في انتخابات الرئاسة الأخيرة فشلت في أن تجىء بمرشحها الرئاسي إلى سدة الحكم ونجح حسن روحاني رغماً عن أنف المرشد الأعلى على خامنئي، وأظن أنها المرة الأولى التي يتم فيها استهداف المرشد الأعلى على هذا النحو المباشر بما يؤكد إن الوقت قارب بالفعل على النفاد .

جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

كشف حساب صعيد مصر بقلم : مكرم محمد أحمد

كما كانت مدينة السادات التي أصبحت في غضون فترة زمنية محدودة واحدة من قلاع مصر …