الرئيسية / كبار الكتاب / مكرم محمد أحمد … شروخ خطرة في استراتيجية الأمن العربي!

مكرم محمد أحمد … شروخ خطرة في استراتيجية الأمن العربي!

على امتداد السنوات الأخيرة تغيرت العلاقات بين الدول العربية وجوارها الإقليمي، ولم تعد تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل الخارجي في الشأن الداخلي العربي، ولست أعرف السبب الذي أغرى تركيا وإيران وإسرائيل، دول الجوار العربي الثلاث، بالتدخل في الشأن العربي إلى حد أن تركيا تحتل أجزاء من أراضي دولتين عربيتين، سوريا والعراق، جهارا نهارا، وتهدد بمد احتلالها لمنطقة عفرين السورية كي تشمل مناطق أخرى سورية في عدوان سافر على السيادة السورية، وتتحرش بمصر في البحر الأبيض المتوسط دون أي مسوغ قانوني بدعوى أن تعاون مصر مع قبرص في استثمار حقول الغاز البحرية يجئ على حساب مصالح تركيا، مع أن مصر تلتزم حرفيا بالقانون الدولي وقد وثقت حدودها مع قبرص في مضابط الأمم المتحدة، وإذا انتقلنا إلى إيران بتصرفاتها الهوجاء التي تكاد تماثل تصرفات ثور هائج في معرض للخزف الصيني، تسعى بحماقة للسيطرة على القرار في 4 دول عربية هي لبنان وسوريا والعراق واليمن إضافة إلى غزة، تمد الحوثيين في اليمن بصواريخ متوسطة المدى إيرانية الصنع بكثافة عالية يطلقها الحوثيون على العاصمة الرياض، وتسلح حزب الله حتى أسنانه بكافة أنواع الصواريخ، وتعطيه الحق في أن يكون طرفا في تقرير أمور الحرب والسلام في العالم العربي والشرق الأوسط، رغم أن المفروض أنه حزب وطني لبناني لا ينبغي أن يتجاوز حدود الأرض اللبنانية. فإذا انتقلنا إلى إسرائيل يبلغ الفجر السياسي أعلى درجاته عندما يتم ابتلاع حقوق الفلسطينيين قضمة قضمة وتحاصر الكتل الاستيطانية الضفة والقدس وتتواطأ المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على أن تصبح القدس العربية عاصمة لدولة إسرائيل، ولايتوقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتانياهو عن الادعاء بأن القضية الفلسطنية لم تعد تشكل أي عنصر معوق في تطبيع العلاقات العربية ـ الإسرائيلية!.

والواضح من كل صور هذا العدوان والتدخل في الشأن الداخلي واستباحة الأرض العربية، أن الدول العربية لا تملك أي استراتيجية واضحة تنظم علاقاتها بدول الجوار الإقليمي وتضبط هذا السلوك العدواني المتصاعد الذي وصل إلى حد احتلال أراضي دولتين عربيتين من جانب تركيا، بما يؤكد صحة ما قاله أحمد أبو الغيط أمين عام الجامعة العربية في قمة الظهران الأخيرة، عندما وصف تهديد دول الجوار الإقليمي للأمن العربي بأنها تهديدات وجودية ذات طبيعة أمنية وسياسية واجتماعية، يعني السكوت عليها أن العرب لم يعودوا شيئا في حسبان هذه الدول، وأن الحالة التي وصل إليها الأمن العربي تؤكد للعرب أنهم في منعطف طريق صعب، إما أن يكونوا أو لا يكونوا!، ويزيد من خطورة العدوان الإقليمي المستمر على العرب أن النظام الدولي ليس في أحسن حالاته يمر بحالة سيولة شديدة، تمكننا من القول بأنه في مرحلة إعادة تشكيلة جديدة لم تتبلور بعد، وبرغم الصخب الدولي المصاحب لتحرك الإدارة الأمريكية على مسرح الأحداث الدولية فمن التجاوز الشديد أن يتصور البعض أننا في طريق العودة مرة أخرى إلى مرحلة القطب الواحد، لأن شروخ السياسة الدولية تبدو واضحة، تفصل في كثير من الأحيان بين مصالح الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى حد إعلان الحرب التجارية!، ولأن توازنات القوى الراهنة في منطقة الشرق الأوسط تشكك في قدرة الهيمنة الأمريكية على أن تكون الطرف الأكثر تأثيرا في مسيرته، وسواء رحل الأمريكيون عن سوريا أو بقوا هناك، ثمه إرادة روسية واضحة يمكن أن تسلح سوريا بصوارخ اس 300 القادرة على ملاحقة الصواريخ والطائرات الأمريكية.

وبرغم أن الوضع العالمي الراهن يترك هامشا كبيرا يسمح لبعض القوى الإقليمية بأن توسع هامش مناوراتها ومقامراتها مثل تركيا وإيران فإن المنطقة العربية وحدها تكاد تكون الساحة الوحيدة التي يتكالب عليها الجميع، ينهشون مصالحها سواء في أطرافها المتباعدة أو في منطقة القلب منها، ويبتزونها كثيرا بدعاوى أنها المصدر الأساسي للعنف والإرهاب في العالم، كما يبتزونها بما يدور في المنطقة العربية ذاتها من صراعات طاحنة، وما ينتشر داخلها من جماعات مسلحة أو إرهابية، كان الغرب في الأغلب هو الأنشط في نشأتها وتسليحها وتفعيلها، ومن المؤكد أن التلكؤ في اجتثاث أسباب وجود هذه الجماعات وإزالة المشكلات والنزاعات التي ترتبت على احتلال إسرائيل للأرض العربية، وعدم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتأخر إنجاز العدل والإنصاف للشعب الفلسطيني، يشكل السبب الرئيسي لما نحن فيه، ويمثل قرار إدارة الرئيس الأمريكي ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ذروة الاستثمار السيئ والمهين لهذه الأوضاع التي تعكس نظرة الآخرين للمنطقة العربية ووزنها بعد أن تحولت إلى ملعب يتنافس فيه اللاعبون الكبار، وضعفت قدرتها على أن تكون طرفا مؤثرا في الأحداث، وفرض عليها أن تذهب إلى أي تفاوض دولي كدول منفردة كل دولة على حدة وليس بشكل جماعي، بينما تصر القوى الدولية على أن تتفاوض مع الدول العربية بشكل جماعي.

وما يزيد من غرابة الوضع أن غياب الرؤية الاستراتجية العربية المشتركة لمواجهة هذه التحديات بات حديث الجميع، الرؤساء في اجتماعات القمة العربية، والخبراء العرب والسياسيين عند مواجهة كثير من المشكلات التي تتطلب مواقف جماعية عربية، والشارع العربى الذي يبحث عن أسباب ضعف ردود الفعل العربية في الأحداث الخطيرة..! صحيح أنه في بعض الأحداث كانت هناك ردود أفعال لعدد من الدول العربية أحست أن من واجبها أن تتحرك جماعيا مثل السعودية والإمارات ومصر والبحرين في ردها الحاسم على عمليات التخريب التي ضربت المنطقة العربية خلال أحداث ما يسمونه الربيع العربي والتي كانت قطر رأس حربتها لكن مع الأسف لا توجد حتى الآن رؤية استراتجية عربية واحدة للتعامل مع أي من هذه التحديات الخطيرة، بل ولا توجد خطوط عامة عريضة تنظم ردود أفعال العرب على هذه التحديات وأوزانها المختلفة، ولا توجد أيضا الآليات الصحيحة التي تمكن العرب من مناقشة مشكلات أمنهم القومي سواء النابعة من داخلهم، أو من عدوان دول الجوار الإقليمي التي يسعى جميعها إلى توسيع نفوذه على حساب الأمن العربي، أو من جانب القوى الدولية الكبرى التي تتماس مصالحها مع مصالح العرب، سواء في ذلك الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين. باختصار لا توجد استراتيجية عربية واحدة ولا خطوط أساس عربية فاعلة ولا أجنده عربية موحدة تنظم تعاملنا مع هذه التحديات، لأننا لا نزال نفضل أن نتعامل معها بمنطق التجزئة وفي إطار ملفات منفصلة وليس باعتبارها ملفا واحدا للأمن القومي العربي ينطوي على رؤية شاملة.

وربما نملك بعد كل هذا القول والتوصيف شجاعة أن نختصر الكلام، لنقول إن جوهر مشكلتنا الراهنة هو غياب نظام أمن جماعي، وأن هذا الغياب سببه الرئيسي غياب النظرة العربية الشاملة وهو المبرر لاستمرار نهجنا الحالي الذي يؤثر معالجة قضايا الأمن العربي بالقطاعي، خاصة أننا نفتقر إلى الآليات التي تساعدنا على صياغة أجندة قومية بمشاكل الأمن القومي العربي بعد أن عطلنا مجلس الأمن والسلم العربي إلى حد أنه لم يجتمع مرة واحدة، كما أن محادثاتنا لاتزال تتعثر حول إنشاء القوة العربية المشتركة التي تم تعطيلها دون سابق إنذار أو أسباب معلنة، مع أن التفاهمات العربية العربية كانت قد أوشكت على صياغة مشروع متكامل للقوة العربية المشتركة، وافق على خطوطه العريضة رؤساء أركان الجيوش العربية.

ومع الأسف سبق الاتحاد الإفريقي الجامعة العربية في ابتداع هذه الآليات المشتركة المتعلقة بتهديات الأمن القومي الإفريقي، سواء في ذلك القوة العسكرية الإفريقية المشتركة أو مجلس الأمن والسلم الإفريقي، اللذان يعملان داخل الاتحاد الإفريقي الآن بكفاءة عالية تضمن الأمن الإفريقي.

ومن وجهة نظر الأمين العام أحمد أبو الغيط في حوار قصير معه فإن أية جهود لتناول قضية الأمن العربي القومي من منظور شامل لاينبغي أن تقتصر فقط على الجوانب العسكرية والأمنية، وإنما ينبغي أن تشمل أيضا العناصر الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكل ما يتعلق بمعنى القوة في مفهومها الشامل، وأظن أيضا أن واجب الدول العربية ومسئوليتها وهي تعيد النظر في مفاهيم أمنها القومي، أن تستجيب لكل التحديات والتهديات التي تواجه كل دولة عربية على حدة وتعتبرها تحديا لأمنها القومي، بحيث يتم التعامل مع هذا التهديد بوصفه تهديدا للنظام العربي كله وتحديا ينبغي أن تستجيب له كل الدول العربية وتعتبره بشكل جماعي تهديدا للكيان العربي الواحد.

وما يشكل الأساس الصحيح لاستراتجية الأمن القومي العربي، الرفض الحازم لكل التدخلات الأجنبية في الشأن العربي، والتصدي لها بشكل جماعي حاسم أيا كان الطرف الذي يمارس هذا التدخل، ورسم الحدود الواضحة للعلاقات بين دول الجوار الإقليمي والدول العربية، بما يرفض كل صور الهيمنة والابتزاز، ويحافظ على صحة هذه العلاقات في إطار المصالح المشتركة المتكافئة وقواعد القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة والجامعة العربية، بحيث تلتزم العلاقات بين الدول العربية ودول الجوار الإقليمي حسن الجوار والاحترام المتبادل والحرص على التعاون والتنسيق المشترك، وعدم المساس بالأمن القومي لأي طرف، واحترام حقوق السيادة وصيانة استحقاقات الدولة الوطنية.

وباختصار شديد فإن أية استراتجية للأمن القومي العربي لابد أن تنهض على مبدأ الدفاع المشترك وترسيخ التعاون الأمني والعسكري وبناء القوة العربية المشتركة، لأن جميع ذلك يشكل حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية التي يتحتم أن تكون لها رؤيتها المستقلة وفكرها الواضح الذي يعزز عوامل القدرة العربية ويساعد على تحقيق النهضة العربية الشاملة، وتهيئة وتأمين بيئة عربية صحيحة تدعم التنمية المشتركة، تتيح للإنسان العربي التعلم والإبداع ويصعب بالطبع بناء ذلك دون ثقافة عربية مشتركة وبيئة علمية تحتضن المواهب والإبداع، تتوحد فيها رؤى التعليم على مناهج متقدمة وتتكامل فيها الأنشطة البحثية بما يخدم مقومات النهضة العربية، بالتركيز على بحوث موارد المياه وإنماء الثورة الخضراء وتحلية مياه البحر واستثمار مصادر الطاقة المتجددة.

والحق أن جزءا كبيرا من الفضل في أن تحظى قضية الأمن القومي العربي بأولوية الاهتمام في قمة ظهران، يعود إلى العاهل الأردني الملك عبدالله، عندما عبر بصراحة عن تخوفاته من أن يضع الآخرون للعرب أولوياتهم إن أخفق العرب في تحديد هذه الأولويات ومخاطبتها، بعد أن أصبح الشأن الداخلي العربي مستباحا للجميع، وضح للعرب جميعا أن هناك ضرورات تفرض عليهم الاستقلال والتميز في القرار، لأن ما تطلبه القوى الأجنبية يكاد يكون مستحيلا في ضوء الثوابت العربية الراسخة، لأنه ما من نظام عربي يمكن أن يقبل بالقدس عاصمة لإسرائيل وليست عاصمة للدولة الفلسطينية، ولأنه ما من عربي واحد يمكن أن يقبل تطبيع علاقات دولته مع إسرائيل قبل أن يحل السلام الشامل وتقوم الدولة الفلسطينية!، ولأن رفع القدس من مائدة التفاوض على مشروع السلام العربي الإسرائيلي قرار لا يملكه الرئيس الأمريكي ترامب!، ولا يستطيع العرب قبوله أو الرضوخ له!، ويمثل في الحقيقة إحراجا غير مقبول لإرادة العرب السياسية، لأنه يضعهم وجها لوجه في مواجهة شعوبهم في قضية تشكل ركنا أساسيا من أركان الأمن القومي العربي. والأمر المؤكد أخيرا أن واحدا من أهم أسباب تميز قمة الظهران أو قمة القدس، أنها وضعت قضية الأمن القومي العربي على رأس الأولويات العاجلة التي تلزم العرب التوافق الاستراتيجي ليس فقط على خطوط الأساس العريضة للأمن القومي العربي ولكن أيضا على أبعاد رؤية شاملة تشمل المنطلقات الأساسية لهذه الرؤية وأهدافها الرئيسية وأدوات تنفيذها؛ لتعيد إلى الفكر العربي الاستراتيجي مساره الصحيح بحيث تتشكل ملامحه ومفاهيمه الثابتة من الدفاع المشترك والقوة العربية العسكرية المشتركة والأمن الجماعي العربي وتصحيح العلاقات مع قوى الجوار الإقليمي بما يمنع تدخل الآخرين في الشأن العربي.

جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد يكتب : كيان مؤسسي لدول البحر الأحمر

أعتقد أن الجهود السابقة التي بذلتها القاهرة في ديسمبر الماضي، عندما استضافت لأول مرة اجتماعًا …