الرئيسية / كبار الكتاب / مكرم محمد أحمد … لماذا لا يعود الروس لشرم الشيخ؟

مكرم محمد أحمد … لماذا لا يعود الروس لشرم الشيخ؟

ربما لا يشكل استئناف الطيران العارض بين المدن الروسية والمدن المصرية مشكلة كبيرة في العلاقات المصرية الروسية التي تستند إلى قواعد وأساسات راسخة تصون هذه العلاقات وتضمن تقدمها، وتكفل لها هذا المدى الواسع من التعاون الاستراتيجي الشامل، أبرزها دون شك أن مصر حققت عبورها الكبير إلى تحرير سيناء وليس في يدها سوى أسلحة الروس وصواريخهم التي شكلت مظلة أمن للقوات المصرية، مكنتها من إقامة رؤوس جسور ثابتة كالطود شرق القناة، ويحفل تاريخ العلاقات المصرية الروسية بعلامات مضيئة باهرة تعزز علاقات الشعبين، على رأسها السد العالي الذي مكّن مصر من التخزين الاستراتيجي لمياه النيل، وإنشاء قلاع صناعية كبرى في جميع أرجاء البلاد خلال ستينيات القرن الماضي، أبرزها مصانع الحديد والصلب والألمونيوم التي عززت هذه العلاقات، فضلًا عن توافق البلدين على سياسات مشتركة تنتصر لمصالح العرب العليا وتحتضن قضاياهم وتسهم في مساندة حقوقهم الدولية، وتمكنهم من موقف دولي متوازن يحفظ استقلال قرارهم. صحيح أن العالم تغير كثيرًا بسقوط حائط برلين، ونهاية عصر الاستقطاب، وضمور الأيديولوجيات المتصارعة، وقيام تكتلات اقتصادية مفتوحة تسمح لكل الدول بأن تشارك في مشاريع المنفعة المشتركة بعد أن أصبح عالمًا متعدد الأقطاب تنتفي فيه سيطرة القطب الواحد، وتمكّنت شبكات التواصل الإلكتروني من ربط مصالحه ومعارفه، وظهرت تحديات كونية جديدة تفرض ضرورة توسيع نطاق تعاون البشرية، أبرزها الإرهاب الراعي الأكبر للجريمة المنظمة، وظاهرات تغير المناخ التي تهدد كوكبنا الأرضي بما تفرضه من قيود على حجم الانبعاثات الكربونية، لكن أيًا من هذه المتغيرات لم يمس جوهر العلاقات المصرية الروسية التي تستند إلى صداقة وطيدة عمرها 75 عامًا، وفي كلمته أمام مجلس الفيدرالية الروسية (مجلس الشيوخ) حدد الرئيس السيسي مسارات التقارب المصري الروسي في عالمنا الراهن في تشديد الحرب على جماعات الإرهاب واجتثاث جذورها، وبذل كل الجهود لإنهاء كل منازعات الشرق الأوسط سلميًا، والحفاظ على وحدة دوله وأراضيه، وتنمية العلاقات الاستراتيجية بين مصر وروسيا بما يعيد لها مجدها القديم، ويضاعف دورها في تنمية البلدين، ويعاون مصر على أن تكون قوة أمن واستقرار للشرق الأوسط، وبإصدار الرئيس الروسي بوتين مرسومًا باتفاقية شراكة وتعاون استراتيجي مع مصر على أعلى المستويات، أصبح الطريق مفتوحًا لتعاون خلّاق في بناء المحطة النووية في الضبعة التي يضمن تخطيطها تحقيق أعلى معدلات الأمان النووي، وتلافي أي أخطاء بشرية محتملة، إضافة إلى المنطقة الصناعية الروسية في محور قناة السويس، وهي أول منطقة حرة خارج حدود روسيا، تركز على الصناعات الثقيلة خاصة صناعة اللوريات والجرارات، أما المشروع الثالث فيتعلق ببناء صناعة مشتركة لعربات السكك الحديدية في مصر تنجز 1400 عربة مكيفة وعادية بكلفة تصل إلى مائة مليون يورو في أكبر صفقة في تاريخ سكك حديد مصر، يُضاف إليها مركز صيانة متقدم لهذه العربات تبلغ تكلفته 30 مليون يورو، ويدخل ضمن خطوط الاتفاق المصري الروسي أن يكون البلدان قبضة واحدة ضد الإرهاب الذي يمثّل تهديدًا مشتركًا لابد من اجتثاثه. وعلى عظمة هذه المشروعات الاستراتيجية الثلاثة، فإن الكثير في علاقات البلدين يتوقف على مدى نجاحهما المشترك في أن يكونا جبهةً واحدةً ضد جماعات الإرهاب، والحيلولة دون أن يتحصل الإرهاب على أي مكاسب جانبية، خاصة أن مصر أغلقت كل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الإرهاب، وأصبح لها نظام أمني متكامل في كل مطاراتها يضمن أمن كل راكب روسي أو غير روسي، وزادت على ذلك أن سمحت للأمن الروسي أن يكون في الجوار القريب لعدد من المطارات كي يساعد ويشارك، الأمر الذي يتطلب ضرورة إعادة النظر في منع وصول الطيران الروسي العارض إلى شرم الشيخ والغردقة..، وأظن أن الروس يعرفون جيدًا المستويات التي وصل إليها الأمن في جميع مطارات مصر خاصة شرم الشيخ والغردقة، المقصدين السياحيين اللذين يحبهما الروس، وأظن أيضًا أن الإبقاء على حال السياحة الراهن في المقصدين هو في جوهره جائزة غير مستحقة لجماعات الإرهاب، خاصة أن نسبة المغامرة في قرار إعادة الطيران العارض إلى المقصدين جد هامشية تقل عن معظم دول العالم، وما من شك أنه آن الأوان لتحديد موعد محدد لعودة الطيران العارض إلى شرم الشيخ والغردقة، لأن في عودته هزيمة كاملة للإرهاب ودلالة واضحة على أن مصر وروسيا يد واحدة ضد جماعاته.

الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد يكتب : كيان مؤسسي لدول البحر الأحمر

أعتقد أن الجهود السابقة التي بذلتها القاهرة في ديسمبر الماضي، عندما استضافت لأول مرة اجتماعًا …