الرئيسية / كبار الكتاب / مكرم محمد أحمد … من عطّل توحيد الجيش الليبي؟!

مكرم محمد أحمد … من عطّل توحيد الجيش الليبي؟!

بينما يزداد الشرق الليبي توحدا بعد أن نجح الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر في استعادة مدينة درنة التي بقيت تحت سيطرة ميليشيات جماعة الإخوان المسلمين التي أطلقت على نفسها اسم جبهة مجاهدي درنة أغلب فترة حكم العقيد القذافي الذي لم ينجح في دخول درنة، وبعد أن نجح الجيش الوطني الليبي بعد معارك مريرة في استعادة رأس لانوف وسدرة اللتين تُشكلان أهم مناطق الهلال البترولي الليبي من ميليشيات إبراهيم الجضران، القائد السابق لحرس المنشآت النفطية والوثيق الصلة الآن بتنظيم القاعدة وروافد تيارات الإسلام السياسي التي ترعاها تركيا وقطر.. بينما يزداد الشرق الليبي توحدا ويثبت المشير حفتر قدرة الجيش الوطني الليبي على السيطرة على شرق ليبيا بكامله، وأنه طرف مؤثر في المعادلة الليبية يمكن أن يحفظ وحدة الجيش الليبي ووحدة الدولة الليبية، يقدر على تقليص سيطرة قوى الإسلام السياسي في ليبيا إلى حدود حجمها الحقيقي الذي لم يمكنها من كسب أي انتخابات ليبية، يتفكك الغرب الليبي تحت أطماع ميليشيات المدن المتعددة التي تحكم سيطرتها على العاصمة طرابلس وجميع مدن الغرب الليبي، التي شاركت بعناصرها مع قوات إبراهيم الجضران في الهجوم على رأس لانوف وسدرة، أهم مناطق البترول الليبي ونجح الفريق حفتر في طردها واستعادة الموانئ البترولية في غضون أسبوع واحد من عملية الغزو، ومع الأسف تزداد أطماع ميليشيات المدن شراسة بينما تضعف حكومة الوفاق الليبي بقيادة فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني، تكاد تمتثل لضغوط ميليشيات المدن المتأسلمة التي تسد الطريق الآن على وحدة الجيش الليبي، رغم اتفاق كل القيادات العسكرية في الشرق والغرب والجنوب على هيكل المؤسسة العسكرية الليبية، لأن ميليشيات مدن غرب ليبيا تعرف جيداً أن مصيرها أن تصبح في مهب الريح، إن رفضت الاندماج مع الجيش في إطار قواعد شفافة تسري على جميع الميليشيات، لا تسمح بالالتحاق الجماعي بالمؤسسة العسكرية دون فحص دقيق يتناول كل الأفراد.

تلك باختصار هي مأساة ليبيا الراهنة، شرق قوي متماسك موحد يكاد يكون نظيفا من جماعات الإرهاب يحكمه المشير حفتر، وغرب ضعيف متفكك تكاد السلطة فيه المتمثلة في فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني تكون أسيرة لميليشيات المدن المتأسلمة التي تحاول تعويق وحدة الجيش الليبي، لأنها تعرف جيدا أن الضمان الأقوى لوحدة الأرض والدولة في ليبيا هو وحدة الجيش الليبي، الهدف القريب الذي يمكن أن يتحقق على أرض الواقع، لأن غالبية الليبيين يريدون وحدة المؤسسة العسكرية، ولأن جميع العسكريين الليبيين في الشرق والغرب والجنوب يقفون إلى جوار وحدة الجيش، وقد توافقوا جميعا على طبيعة هيكل المؤسسة العسكرية دون التعرض لأسماء بعينها، ويتوافقون أيضاً على قواعد الدمج التي يمكن أن تحكم عملية إدماج الميليشيات كأفراد داخل الجيش أو داخل الأمن أو داخل أي من مؤسسات الدولة، وفق قواعد موحدة وشفافة تسري على الجميع.

لقد أنهى العسكريون الليبيون في الشرق والغرب والجنوب ٦ جولات من التفاوض، التزم جميعها ضرورات الحوار الوطني وآدابه، وانتهت بتوافق الجميع على الهيكل العام للمؤسسة العسكرية الليبية، وعلى عدد من شروط النجاح أهمها، أن يقوم الجيش الوطني الليبي بمهامه في الحفاظ على وحدة الأرض والدولة الليبية وحماية مقدرات الشعب الليبي، بعيدا عن أي تجاذبات سياسية أو قبلية أو أيديولوجية، مع ضرورة إنهاء حكم جميع الميليشيات التي تتركز الآن في مدن الغرب خاصة طرابلس ومصراته، وتوجيه الشكر لجميع الأفراد وبعض ميليشيات المدن التي تدرك على نحو متزايد أهمية توحيد الجيش الليبي وأولويته وضرورته لتحقيق وحدة البلاد.

لكن ما يجعل أغلب ميليشيات المدن تُعيق تقدم جهود توحيد الجيش الليبي أنها تستفيد بشكل هائل من عائدات النفط الليبي التي لا يتم توزيعها وفق قواعد واضحة وشفافة، خصوصاً أن هناك تأكيدات ثابتة بأن ميليشيات إبراهيم الجضران التي تتبع الآن تنظيم القاعدة قد مولت حملتها على منطقتي سدرة ورأس لانوف من أموال عائدات النفط ..، صحيح أن عملية احتلال رأس لانوف استمرت أسبوعا، لكن الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر هو الذي أفشل هذا الهجوم بعد معارك ضارية استشهد فيها العشرات من جنود الجيش الوطني، ويزيد من غموض الموقف إزاء قضية توحيد الجيش، أن فرنسا والولايات المتحدة تريان أن توحيد الجيش الليبي ضرورة أساسية لتوحيد ليبيا، لكن البريطانيين هم أكثر الأطراف الدولية حماسا لإشراك جماعة الإخوان وقوى الإسلام السياسي في الحكم، وأقل الأطراف الدولية اقتناعا بضرورة توحيد الجيش الليبي ..، ولأن مصر تُمثل أكثر الأطراف الإقليمية تجردا، لا ترعى سوى الصالح الليبي العام، وترى أن أمن ليبيا بات يُشكل جزءاً مهما من الأمن المصري، فهى تقف بوضوح كامل مع وحدة المؤسسة العسكرية الليبية، وترى أن تحقيق وحدة الجيش الليبي هو أكثر الطرق اختصارا لضمان وحدة الدولة والشعب الليبي الذي يرى أن توحيد الجيش هو الضمان الأساسي لمنع تقسيم البلاد.

في ظل هذه الحقائق المهمة، يندهش المراقبون من معايير الغرب المزدوجة التي تجعل دول الغرب تتوحد حول عدم إدانة إبراهيم الجضران رئيس ميليشيات القاعدة الذي هاجم رأس لانوف وسدرة لحساب قوى الإسلام السياسي، وسيطر على جزء مهم من هلال البترول الليبي لأسبوع كامل، إلى أن نجحت قوات المشير حفتر فى طرده، وهرب مع فلول ميليشياته إلى أقصى الجنوب الليبي على حدود النيجر، بينما تُصر على معاقبة حفتر الذي استعاد كامل الهلال البترولى الليبي، وألحق موانئ تصدير البترول الأربعة بمؤسسة النفط الليبية في بنغازي بدلاً من مؤسسة النفط الليبي في طرابلس التي تقوم بتوزيع عوائد النفط على ميليشيات المدن غرب ليبيا وبينها ميليشيات إبراهيم الجضران التابعة لتنظيم القاعدة التي قامت بعملية الغزو، وبدلاً من أن يتكاتف الجميع على استبدال نظام توزيع عائدات النفط الذي أفسد البلاد، وزاد من قوة وسيطرة ميليشيات المدن غرب ليبيا، ومكنها من نهب عائدات البترول دون وجه حق، وتغيير محافظ البنك المركزي الذي صدر قرار بتغييره ولم ينفذ حماية للفساد، يحاول الغرب عقاب حفتر، لأن قراره بإلحاق موانئ تصدير البترول الليبي بمؤسسة النفط الليبي في بنغازي بدلاً من مؤسسة النفط الليبي في طرابلس، عطّل عمليات تصدير النفط الذي هبط إنتاجه بمعدل يزيد على ٨٠٠ ألف برميل في اليوم الواحد، وتسبب في خسارة مالية تصل إلى حدود ٦٧ مليون دولار في اليوم الواحد، لأن مقاربة دول الغرب للمشكلة لم تكن مقاربة شاملة، تعالج فساد أسس توزيع عائدات النفط على ميليشيات المدن المسلحة، وتنهي خدمة محافظ البنك المركزي الليبي الذي صدر قرار سابق بتغييره ولم يخرج إلى حيز التنفيذ حرصاً على استمرار الفساد، وبين الظلم البين والمساواة بين حفتر الذي نجح في استعادة السيطرة على مدينة درنة من أيدي ميليشيات جماعة الإخوان وقد كانت تحت حكم جماعة الإخوان منذ أيام حكم العقيد القذافي، كما استعاد موانئ رأس لانوف وسدرة من أيدى ميليشيات القاعدة التي يقودها إبراهيم الجضران رئيس ميليشيات القاعدة الذي هرب إلى أقصى الجنوب الليبي بعد أن خسر الحرب أمام الجيش الوطنى الليبي، لأن الأمر لن يستقيم بإدانة المشير حفتر وغض الطرف عن إبراهيم الجضران القائد السابق لحرس المنشآت النفطية.

وقد تكون ملاحظات البعض صحيحة على قرار حفتر نقل موانئ البترول إلى سيطرة مؤسسة النفط الليبي في بنغازي بدلاً من طرابلس الذي تسبب في وقف تصدير البترول الليبي إلى الخارج، لكن المقاربة غير الشاملة التي أهملت إصلاح قواعد توزيع عائدات النفط وأبقت على محافظ البنك المركزي الليبي رغم وجود قرار بنقله ورغم أنه المسئول الأول عن التوزيع الفاسد لعائدات النفط الذي يمثل جوهر الأزمة الليبية الراهنة..، ولو أن المقاربة كانت شاملة لعالجت سوء توزيع عوائد النفط ومشكلة تغيير محافظ البنك المركزي، لما نشأت الأزمة وتوقف تصدير البترول الليبي إلى الخارج، وإذا كانت الولايات المتحدة تتحجج بوجود صعوبات قانونية تمنع وضع إبراهيم الجضران على قائمة لجنة عقوبات الأمم المتحدة، بينما ترفض بريطانيا صدور بيان رئاسي عن مجلس الأمن يدين إبراهيم الجضران وأحداث الهلال الليبي، ويحُث الجميع خطاهم لعقاب المشير حفتر، بما يؤكد ازدواج معايير الغرب وخللها، ورغبة دوله في أن تطول الأزمة الليبية دون حل.

لقد أوضحت المؤسسة الوطنية للنفط الليبى أن الخسائر الإجمالية للإنتاج تبلغ ٨٥٠ ألف برميل يومياً و٧١٠ ملايين قدم مكعب من الغاز وأكثر من ٢٠ ألف برميل من المكثفات، بما يحقق خسائر يومية تبلغ ٦٧ مليون دولار، ويلزم المؤسسة الوطنية للنفط إعلان حالة (القوة القاهرة) في كل موانئ تصدير البترول، بسبب زيادة مخزون النفط ووقف التصدير، الأمر الذي أدى إلى صعود أسعار النفط في السوق العالمية لتصل إلى ٧٧ دولارا و٧٠ سنتا، وخلال الاتصالات التى جرت بين المسئولين الفرنسيين والمشير حفتر أملاً في تخفيف حدة الأزمة، قال المشير حفتر إن أصل المشكلة أن هناك مشكلات ضخمة في توزيع عائدات النفط تتطلب سرعة العلاج، لأن أحداً لا يعرف على وجه التحديد، كيف يوزع البنك المركزي الليبي عائدات النفط؟ وهل تذهب بالفعل إلى ميليشيات المدن في الغرب الليبي؟ ورداً على ملاحظات المشير حفتر أشار مصدر دبلوماسي فرنسي مسئول إلى ضرورة أن يغادر محافظ البنك المركزي الليبي منصبه في أسرع وقت ممكن، وأن من حق المشير حفتر أن يشكو من سوء توزيع عائدات النفط، لكن واجب المشير حفتر ألا يجعل الأسرة الدولية تستاء من تصرفاته، وثمة اتفاق مصري فرنسي بعد لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الأخير مع وزير خارجية فرنسا على ضرورة العمل المشترك من أجل إيجاد حل سريع يضمن سرعة استئناف تصدير البترول الليبي وإعادة النظر في توزيع عوائد النفط بصورة أكثر وضوحاً وشفافية.

وإذا كان المشير حفتر تمكن من تثبيت سلطة الجيش الوطني، وتوحيد شرق ليبيا، واستعادة مدينة درنة آخر قلاع الإرهاب في الشرق، وحماية حقول البترول في الهلال البترولي بعد استعادة رأس لانوف وسدرة، فإن الخريطة الراهنة للصراع الليبي تشير إلى أن منطقة الجنوب لا تزال تعاني التهميش وعدم الاستقرار، ووجود ميليشيات القاعدة في عدد من القواعد في منطقة أوباري على حدود النيجر، حيث توجد ميليشيات إبراهيم الجضران بعد هزيمتها في سدرة ورأس لانوف كما توجد الميليشيات في مرتفعات مناطق سبها والجفرة، ودروب الصحراء التي تُشكل ممرات تجارية تربط بين وسط إفريقيا والساحل الليبي، لكن الصورة في طرابلس شمالاً أشد تعقيداً، حيث بات الوضع السياسي والعسكري والاقتصادي تحت سيطرة تحالف ميليشيات الغرب الليبي التي يطلق عليها البعض اسم (كارتل طرابلس) ويتشكل من الميليشيات الثلاث الأقوى في طرابلس، كتيبة ثوار طرابلس التي يقودها هيثم التاجورى وقوة الردع بقيادة السلفي عبدالرؤوف كارا الذى يقاوم داعش ويقف إلى جوار فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني، وتنضم قواته إلى وزارة الداخلية الليبية في محاربتها للإرهاب ثم الأمن المركزي وهى أقل الميليشيات الثلاث عدداً وقوة، وتسيطر على حي أبو سليم الأكثر تعداداً وشعبية في طرابلس.

وإضافة إلى الميليشيات الثلاث ثمة تنظيم آخر يُشكل جسداً سياسياً نشأ عن اتفاق الصخيرات، هو المجلس الأعلى للدولة، يرأسه خالد المشلي من جماعة الإخوان ووظيفته الأساسية تعويق وحدة المؤسسة العسكرية الليبية وتؤكد مراكز الدراسات السياسية أن «كارتل طرابلس» قد تحول إلى شبكة تضم الميليشيات الثلاث الأقوى في طرابلس، لتسيطر على العاصمة، وتُعيق وحدة الجيش الليبي، وتستنزف عوائد البترول، وتدفع لها البنوك الإتاوات لتأمينها، حيث يخطفون مدراء البنوك، ويستخدمون القوة المفرطة في عقاب منافسيهم ويتبادلون اختطاف قياداتهم، ومع الأسف ابتلعت سلطة الميليشيات كل سلطات فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الذي شرعن هذه الميليشيات ودفع لها الرواتب من عوائد البترول من أجل شراء ولائها وتكاد تكون ميليشيات طرابلس العقبة الأساسية في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية .

ولست أظن أن قلق بعض الدول الغربية من المشير حفتر رغم إنجازاته الأخيرة، هو العامل الأساسي الذي يعوق وحدة المؤسسة العسكرية الليبية، فثمة أسباب أخرى عديدة أهمها، أن يطول أمد الأزمة الليبية وتضرب الفوضى أطنابها ويستمر فساد توزيع عوائد النفط، فضلاً عن المنافسة المستمرة بين دول الغرب صراعاً على من تكون له قيادة الموقف الليبي، رغم أن الجميع يعرفون أن استقرار ليبيا رهن بوحدة المؤسسة العسكرية وفى غياب استقرار ليبيا يصعب أن ينتظم تصدير البترول الليبي إلى الخارج، ويصعب أن يتحقق سلام البحر الأبيض، ويظل أمن الشرق الأوسط يعاني غياب الاستقرار عن شمال إفريقيا، فضلاً عن أن الحل الوحيد الصحيح لوقف تدفق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا هو وحدة المؤسسة العسكرية الليبية وبسط سيطرتها على كل أرجاء ليبيا وتعزيز قوات حرس الحدود الليبي، خاصة أن هناك أكثر من مليون مهاجر من ٢٠ جنسية إفريقية وآسيوية موجودون بالفعل فى ليبيا، يتحينون الفرصة للهرب عبر المتوسط إلى أوروبا لا يبالون باحتمالات الغرق أو النجاة.

جريدة الأهرام

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مكرم محمد أحمد … تصعيد درامي في الحرب التجارية مع الصين

في تصعيد درامي للحرب التجارية العالمية، فرض الرئيس الأمريكي ترامب تعريفة جمركية جديدة على حجم …