اشتعلت الثورة جنوب العراق من جديد وأخذت طوراً مُختلفاً زاد من فاعليتها، ورفع سقف مطالبها، ووسع من نطاق انتشارها حتى وصلت إلى العاصمة بغداد مع استمرارها للأسبوع الثالث على التوالي، وارتفاع عدد ضحاياها إلى 13 قتيلاً لقوا مصرعهم في الصدامات المبتكرة مع قوات الأمن، وإصابة 729 شخصا نصفهم من عناصر الأمن وقوات الشرطة، ولأول مرة ظهرت في شوارع مدن جنوب العراق تجمعات منظمة تطلق على نفسها لجان التنسيق تنظم حشود المحتجين، وتحميها وتوحد الشعارات التي ترفعها جماهير الثائرين، وفي جنوب البصرة في محافظة المثنى توعد شيوخ العشائر بإغلاق مجلس المحافظة ومكاتبها إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم التي توحدت في إسقاط الأحزاب الطائفية وحظر عملها السياسي وإعادة كتابة دستور البلاد. وقال فاضل الغراوي عضو مفوضية حقوق الإنسان إن القوات الأمنية أطلقت سراح أغلب المعتقلين فيما تعرض 91 مبنى حكوميا وسكنيا إلى أضرار بسبب الاحتجاجات، ورغم الوعود التي أطلقها رئيس الوزراء حيدر العبادي للتخفيف من وطأة الأزمة بإطلاق 10 آلاف وظيفة جديدة في محافظة البصرة، إلا أن التظاهرات والاحتجاجات لا تزال مستمرة، تكتسب كل يوم زخما جديدا وسط حملات التشكيك في جدية هذه الوعود التي أطلقتها حكومة العبادي المنتهية ولايتها، بينما تتعثر ولادة الحكومة الجديدة التي يشكلها الزعيم مقتدى الصدر الذي حصل تحالفه على أكبر عدد من مقاعد البرلمان العراقي الجديد، لأن التوافقات الحزبية حول تشكيل الحكومة الجديدة لا تزال متعثرة، فضلا عن أن الشارع في جنوب العراق يرفض كل الأحزاب الطائفية بما فيها حزب الدعوة الذي ينتمي إليه حيدر العبادي، ويرى أنها تعمل لصالح إيران بأكثر من تعبيرها عن مصالح الشعب العراقي.
ورغم أن إيران كانت أحد الأسباب الرئيسية في اندلاع ثورة الغضب جنوب العراق عندما امتنعت عن تصدير الكهرباء إلى العراق في هذا القيظ الشديد الذي وصلت فيه درجة الحرارة جنوب العراق، بما أدى أيضا إلى ندرة المياه وزيادة معاناة العراقيين بدعوى أن العراق لم يسدد فواتير الكهرباء رغم سيطرة إيران وهيمنتها السياسية على العراق، وكان من نتائج هذه الخطوة الغبية أن أصبحت إيران موضع سخط العراقيين بصرف النظر عن أن الجميع شيعيون، كما أصبحت الأحزاب الشيعية في العراق موضع انتقاد العراقيين الشديد في جنوب العراق، لأنها تعكس مصالح إيران بأكثر من تعبيرها عن مصالح العراقيين، لكن ثمة من يرون أن إيران ربما تكون المستفيد الأول من أحداث جنوب العراق لرغبتها الشديدة في عرقلة تصدير نفط العراق إلى الأسواق العالمية، بما يشكل عنصرا ضاغطا على إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، يدفعها إلى إعادة النظر في قرارها بمنع تصدير نفط إيران إلى الخارج وحرمان طهران من عوائد النفط الذي توقف تصديره، خاصة أن مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي أعلن أخيرا وبوضوح كامل تهديداته بعرقلة صادرات النفط من جميع دول الخليج حال منع الولايات المتحدة مبيعات نفط بلاده حتى ولو تطلب الأمر إغلاق مضيق هرمز.
ووسط غمار هذه الأزمة، اكتشف أغلب العراقيين شيعة وسُنة أسباب سعي إيران إلى طمس الهوية العربية للعراق، ورأوا في تعزيز انتماء العراق العربى الرد الصحيح على مؤامرات طهران، وأن الطبقة السياسية في جنوب العراق لا تعمل لصالح العراق وإنما تعمل لصالح إيران، ثم جاءت خطوة الكويت العروبية لتثبت لكل العراقيين أن هناك فرقا، وأن الانتماء القومي هو السند الحقيقي للعراق وليست العزلة الطائفية. وما من شك أن الكويت أصابت الطائفية في العراق في مقتل عندما أظهرت الوجه الأخلاقي الصحيح للانتماء العربي، وقررت أن تضىء ظلام جنوب العراق الذي فرضته هيمنة فارس بوصول ناقلة نفط عملاقة كويتية تحمل 18 ألف طن من الوقود هدية من أمير وشعب الكويت لتشغيل محطات البصرة المتوقفة وإنارة جنوب العراق إضافة إلى 17 مولدا كهربائيا متنقلاً بطاقة تبلغ 30 ألف كيلو وات في عمل سياسي إنساني رائع أزاح القناع عن الوجه الفارسي القبيح لإيران. لقد سعت الطائفية في العراق إلى التغطية على طبقة سياسية فاسدة، ارتضت باسم الانحياز الطائفي تهميش مصالح بلادها وإضعاف هوية العراق العربية وفصم عراه ليصبح من حق كل محافظة أن تطالب بإعلان الحكم الذاتي في دستور طائفي تمت صياغته تحت سنابك الاحتلال الأمريكي، لكن إقدام إيران على قطع الكهرباء عن جنوب العراق في هذا القيظ الصعب كشف الوجه القبيح للطائفية، وأطلق حركة إحتجاج قوية تعبر حقاً عن ضمير العراق، تطالب بأحزاب جديدة عراقية الهوية تنتصر أولاً للشعب العراقى وكتابة دستور جديد ينتصر لحقوق المواطنة الكاملة لكل عراقي، سُنيا كان أم شيعيا أم كُرديا أم يزيديا دون تمييز في الجنس أو اللون أو الدين.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري