اخترت هذا العام أن أمضي إجازة صيف قصيرة في مدينة رشيد، واحدة من أجمل المدن المصرية التي تحوطها غابات النخيل، ترسم لوحة فائقة الجمال لطبيعة هذا الإقليم الذي يذخر تاريخه بأحداث جسام على رأسها رحيل الحملة الفرنسية بعد هزيمتها في مصر، وكان على رأسها جاك مينو قائدها الثالث الذي اعتنق الإسلام وتزوج من زبيدة البواب، ويسكن قصر والدها كبير تجار الرشيد الذي لا يزال قائمًا في دروب المدينة القديمة ضمن 30 أثرًا تاريخيًا جرى إعادة ترميمها في عهد وزير الثقافة فاروق حسني، في خُطة شاملة لإحياء مدينة رشيد لم يكتمل تنفيذها وطالها النسيان، وفي رائعة غادة رشيد, سجل علي الجارم أحداث قصة زبيدة البواب التي رحلت إلى فرنسا برحيل الحملة الفرنسية وكانت أسرة الجارم واحدة من كبريات أسر مدينة رشيد. دارها تشكل أحد معالم المدينة التي عُثر في قلعتها قايتباي على حجر رشيد الذي ساعد على فك طلاسم اللغة المصرية القديمة وقراءة تاريخ مصر الفرعونية قراءة صحيحة أخرجته من دائرة الخرافات الشعبية إلى دائرة الحقائق المدونة التي كشفت عظمة الحضارة المصرية القديمة وإنجازاتها الرائعة في مجالات التشييد والزراعة والفن وبناء مؤسسات الدولة وفي مقدمتها الجيش، وقديمًا كانت رشيد مركزًا لصناعة العجلات الحربية التي مكّنت الجيش المصري من تحقيق أمن مصر وتوسيع إمبراطوريتها القديمة. ولا تزال رشيد واحدة من أهم مراكز صناعة السفن المصرية تضم خمس ترسانات أهلية لصناعة سفن الصيد التي تجري في البحر الأبيض وصولًا إلى سواحل إسبانيا والبرتغال، وتجتاز البحر الأحمر جنوبًا وصولًا إلى سواحل اليمن والصومال كما كان يفعل أسلافهم القدامى الذين وصلوا إلى سواحل بلاد بونت لجلب البخور الذي تستخدمه معابد مصر القديمة ضمن طقوسها الدينية. ويضم متحف رشيد الحربي الذي افتتحه جمال عبد الناصر الأسلحة القديمة التي كان يتم استخدامها في مقاومة قوات الحملة الفرنسية، حيث كانت رشيد تمثل أهم ميناء بحري مصري يفوق في أهميته ميناء الاسكندرية ومركزًا لقيادة الحملة ومقرًا لإقامة قائدها، ولا تزال وثيقة زواج زبيدة البواب وجاك مينو القائد الثالث للحملة الفرنسية الذي أشهر إسلامه وتسمى باسم عبد الله مينو ضمن أهم معروضات المتحف، تحمل مرتين خاتم المحكمة الشرعية، مرة على أصل الوثيقة التي شطبت كل سطورها عقب رحيل الحملة ومرة أخرى على تصحيح من المحكمة الشرعية يؤكد صحة الوثيقة وثبوت عقد الزواج. والرشايدة صناع مهرة وشعب متحضر، ربما كانوا الأوائل الذين تلقوا الصدمة الحضارية التي كشفت عمق الفارق بين الحضارة الأوروبية التي جاوزت عصر البخار إلى الكهرباء، وثقافة المماليك التي تراوح مكانها ولا تزال أسيرة النقل والتقليد, وهم باليقين أول المصريين الذين تواصلوا مع العالم الخارجي، نقلوا عن المغاربة الكثير في فنون البناء خاصة القيشاني، يجيدون فنون الطعام، ويحسنون شواء اللحم بما يجعله فائق الجودة يفوق أي شواء آخر، ويبرعون في حسن تنظيم حدائقهم المثمرة ورعايتها ويبقون على أعواد النخيل مثبتة في الأرض إن جاوز عمرها 300 عام تقريبًا تكريما لها، لكنهم يشكون من إهمال المدينة التي لاتحظى بالاهتمام الواجب رغم ميزاتها المتعددة، ولم تدخل بعد في إطار خطة التطوير الشامل التي يتبناها حكم الرئيس السيسي، تعاني نقصًا فادحًا في مياه الري أثر على إنتاجية 30 ألف فدان، وتلوث مياه الشرب الخاصة بالمدينة، ويضربها الكساد بعد ثورة 25 يناير دون أي مشروعات جديدة تواجه مشكلات البطالة المتفاقمة، ولسانها الذهبي بنهاية مصب النيل يتعرض لمخاطر البحر والتآكل، والأعمال متوقفة في توسيع مسجدها الكبير لأكثر من عشر سنوات، وتفتقد المدينة إلى وجود جامعة أو فرع لأي جامعة تُعنى بهذه المنطقة من شمال الدلتا التي تضم أجود الزراعات المثمرة إضافة إلى مهارات عالية في بناء سفن الصيد الكبيرة واليخوت، وربما تكون أعظم أمنياتهم أن يزور الرئيس السيسي مدينة رشيد، لأنهم يعتقدون أن هذه الزيارة سوف تضع رشيد على خريطة التنمية الشاملة بما يمكنها من استعادة بعض مجدها القديم.
الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري