مكرم محمد أحمد … الحصاد الأخير لمشكلة إدلب

بإذاعة تفاصيل الاتفاق الذي تم بين الرئيس الروسي بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول محافظة إدلب السورية، آخر قلاع المتمردين التي تضم جبهة النصرة وفلول المعارضة المسلحة في سائر أنحاء سوريا الذين هزموا في غوطة دمشق ودرعا على حدود الأردن ودير الزور، وسلموا أسلحتهم الثقيلة وارتضوا الخروج الآمن إلى إدلب انتظارا لأجل جاء أوانه بإضاعة تفاصيل هذا الاتفاق، بات واضحاً التزام تركيا سحب جميع الأسلحة الثقيلة والدبابات وقاذفات الصواريخ المتعددة وسائر أنواع المدفعية التي تملكها جماعات المعارضة المسلحة من داخل المنطقة العازلة بحلول 10 أكتوبر المقبل، وطرد جميع الجماعات الإرهابية خارج حدود سوريا بحلول 15 أكتوبر، على أن تستعيد الدولة السورية سيطرتها على جميع الأماكن ومحاور الطرق الرئيسية بحلول نهاية عام 2018، إضافة إلى ضمان حرية الحركة لجميع السكان المحليين في إدلب، واستعادة الصلات التجارية بين إدلب وسائر الدولة السورية، بما يعني أن إدلب التي كانت تضم 20 جماعة مسلحة سوف تكون نظيفة تماماً من مجموعات الإرهاب.

والواضح أن الاتفاق المنفرد بين الرئيس الروسي بوتين والرئيس التركي أردوغان يشكل قيداً على جميع الأطراف الأكثر تطرفاً وأبرزها الولايات المتحدة وإيران، لأن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها طهران لا تسمح لها بتثبيت نفسها في إدلب في مواجهة تركيا وموسكو اللتين تعهدتا علناً بتحدي العقوبات الأمريكية على إيران، أما الولايات المتحدة فلم يعد لديها مبرر يُذكر للقيام بأي شىء يتعلق بإدلب سوى أن تدعم الموقف التركي، وتقبل بالاتفاق الروسي التركي الذي أوقف الهجوم الشامل على إدلب الذي ربما يكون ذريعة للتدخل الأمريكي بدعوى استخدام الأسد الأسلحة الكيماوية وأيا كانت ملاحظات البعض على الاتفاق، فالواضح أن الاتفاق يُخلص سوريا من الجماعات المتطرفة والأسلحة الثقيلة التي يملكها المتمردون.

وإذا كان البعض يرى أن الاتفاق التركي الروسي الذي يضم عشرة بنود يُشكل تراجعاً روسيا، لأنه حقق لأردوغان مطلبه بوقف العملية العسكرية في إدلب، وتجنب حدوث نزوح سكاني جديد من إدلب إلى تركيا، فإن الاتفاق على الناحية الأخرى ألزم تركيا جدولا زمنيا لإخلاء المنطقة العازلة من التنظيمات الإرهابية ونزع أسلحتها الثقيلة في هذه المنطقة بعمق يصل إلى 20 كيلو متراً على طول خط الجبهة في مدة أقصاها منتصف الشهر المقبل، كما أن الاتفاق يرسم طريق تحرير ما تبقى من إدلب وعودة سيطرة الدولة السورية على شبكة الطرق الدولية التي تربط دمشق بإدلب ويضع تركيا أردوغان أمام استحقاق العمل على إخراج جبهة النصرة القوة الأساسية في إدلب خارج سوريا، وإذا فشل أردوغان في الوفاء بالتزاماته فإن ذلك يعني العودة مرة أخرى إلى سيناريو العملية العسكرية باعتبارها الخيار الوحيد المتبقي للقضاء على هذه التنظيمات وتطهير إدلب من الإرهاب، مع فارق أساسي يتمثل في أن تركيا سوف تكون مُلزمة بالتعاون وتغطية هذه العملية العسكرية بعد أن أعطت الفرصة لتجريب خيار حل الأزمة سلمياً، بما يعني أنه في كلا الحالتين حالة نجاح تركيا في تنفيذ الاتفاق سلماً، أو حالة فشلها في ذلك واللجوء إلى العملية العسكرية، فإن عملية تحرير إدلب بدأت بالفعل من لحظة توقيع الاتفاق بجداوله الزمنية الواضحة.

وثمة من يرون أن اتفاق الرئيسين بوتين وأردوغان قطع الطريق على فرص الولايات المتحدة التي كانت تؤهل نفسها للتدخل بحجة استخدام الرئيس بشار الأسد الأسلحة الكيماوية فور بدء العملية العسكرية الشاملة في إدلب، وأفسد الكمين الأمريكي لتعطيل القضاء على الإرهابيين، وأوكل مهمة التخلص من جبهة النصرة وحلفائها إلى تركيا، التي ترى أن مصلحتها في الظروف الراهنة تكمن في الحفاظ على علاقة جيدة مع موسكو لا سيما بعد الحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأمريكي على تركيا، وأدت إلى انهيار الليرة التركية، لكن ما من شك في أن التغيرات التي طرأت على موازين القوى داخل سوريا بهزيمة المعارضة السورية المسلحة في درعا وغوطة دمشق ودير الزور شكلت العامل الحاسم الذي ألزم الرئيس التركي أردوغان الاتفاق مع الرئيس الروسي بوتين على مسار تحرير إدلب من الإرهابيين دون عملية عسكرية شاملة تهدد أمن ثلاثة ملايين مدني يسكنون مدينة إدلب يمكن أن يزحفوا تجاه حدود تركيا، وجعلته يؤثر التعاون مع الروس بدلاً من الأمريكيين وقللت عدد الأطراف الدولية التي تتدخل في الأزمة السورية خاصة طهران التي لم تعد تملك سوى الموافقة على الاتفاق الروسي التركي كما ألزمت الجميع الاعتراف بوحدة الدولة والأراضي السورية، لكن الأخطر والأهم أن مشكلة إدلب عززت وضع روسيا كقوة عظمى شرق المتوسط وهمشت دور الولايات المتحدة وإيران في سوريا وجعلت أنقرة شريكة موسكو الأقرب في الصراع السوري.

الأهرام

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *