ما من بيت مصري لا يتشكك في رواية سائق القطار المنفلت الذي غادر قطاره دون أن يشد الفرامل، ليتشاجر على الرصيف مع زميله سائق القطار الثاني الذي احتك به عند التحويلة, بما أتاح للقطار فرصة أن يتحرك بسرعة عالية دون سائق ويصطدم بالرصيف, وينفجر خزان الوقود في القطار, وتحدث المأساة الدامية التي وجعت قلوب المصريين, على حين انصرف قائد القطار المنفلت إلى منزله إثر وقوع الحادث كي ينام! كما ذكر في التحقيقات أمام النيابة العامة, والأمر المؤكد أن سائق القطار المنفلت لم يحظ بذرة تعاطف من غالبية الشعب المصري التي أدهشها ردود السائق البليدة، التي شككت الجميع في أن السائق كان مبرشمًا, أو أنه كان ضالعًا في ارتكاب الحادث, ومع ذلك فإن الأفضل والأكثر عدلًا, أن نترك أمر هذه التكهنات لتحقيقات النيابة التي لا تزال مستمرة بعد أن تم القبض على السائق الذي هرب إلى منزله كي ينام.
لكن الأكثر سوءًا من ذلك هم جماعة الإخوان المسلمين وعدد من مواقع التواصل الاجتماعي التي ابتسرت بعض الجمل التي قالها الرئيس السيسي في سياق جد مختلف, لتؤكد للعوام أن السبب الرئيسي لكارثة السكك الحديدية الأخيرة أن الرئيس السيسي لا يريد الإنفاق على إصلاح سكك حديد مصر, ويؤثر أن يضع مليارات الجنيهات التي تتكلفها خطة الإصلاح في البنوك ليتقاضى عنها أرباح فوائد مضمونة تغنيه عن مشكلات عمليات الإصلاح!، ابتسرت جماعة الإخوان تصريحات سابقة للرئيس السيسي قالها في سياق مختلف, وأخذتها بعيدًا عن سياقها الصحيح، متجاهلة أن مصر قد أنفقت بأوامر صريحة من الرئيس السيسي خلال السنوات الثلاث الأخيرة 56 مليار جنيه على إصلاح وتجديد وتحديث سكك حديد مصر، في مشروع ضخم يتم تنفيذه الآن يشمل تجديد خطوط معظم شبكات السكك الحديدية والعمل على ازدواج بعض خطوطها الرئيسية والتصنيع المشترك للآلاف من عربات ركاب السكك الحديدية بالاشتراك مع الروس في مصر وشراء عدد من الجرارات الجديدة تم التعاقد عليها بالفعل بعد أن انتهى العمر الافتراضي لمعظم الجرارات العاملة، لكن يبدو أن جماعة الإخوان تعتقد أن آفة الشعب المصري هي النسيان، وأن ذاكرته الضعيفة لن تمكنه من تذكر هذه الحقائق.
لكن الواضح من تحقيقات النائب العام أن تعليق أسباب الكارثة على ميراث 30 عامًا سابقة لم يعد كافيًا للإقناع، لأن مشاهد الكارثة كشفت أن القضية لا تتعلق فقط بإصلاح الخطوط وتجديد الجرارات وعربات الركاب، وأن ضمانات الأمن والسلامة للركاب لا يكفيها ذلك، لأنها تتطلب أيضًا تعزيز سُبل الحماية داخل محطات السكك الحديدية التي تعاني نقصًا شديدًا في إمكانات مواجهة حوادث الحريق، وعدم وجود منظومة إطفاء من محطات ضخ المياه والخراطيم وأجهزة إطفاء الحرائق الرغوية، فضلًا عن عدم الانتهاء من تحديث منظومة الصيانة الدورية للقطارات، والإسراع باستبدال نظم الإشارات اليدوية والميكانيكية بنظم إلكترونية يقل فيها الاعتماد على العنصر البشري، خاصة أن عدم تحديث نظم المتابعة والصيانة واستشراء الإهمال أدى إلى تفاقم المشكلات، فضلًا عن غياب الانضباط في سلوك البشر العاملين في المرفق إلى حد أن سائق القطار المنفلت غادر كابينة القيادة ليتشاجر مع زميل له على الرصيف ونسى أن يشد فرامل القاطرة، لماذا نزل ومن الذي أمره بالنزول وكيف نسى أو أهمل في أن يشد فرامل القاطرة. الأمور لا يحكمها نظام أداء مبرمج بتعليمات محددة، لكنها متروكة لتصرفات البشر العشوائية، لا يحكمها نظم ثابتة وملزمة للأداء. وربما لهذه الأسباب استشرى الإهمال لتصل خطورته إلى حد يفوق خطورة الفساد، ومن المهم أن تنتظم مصر كلها في حرب مستمرة على الإهمال إلى أن تتمكن من قطع دابره. وحسنًا إن أثار الحادث الأخير غضب أعضاء مجلس النواب وجعلهم يطالبون باستدعاء كل المسئولين بمن فيهم الوزير المستقيل هشام عرفات رغم أنه بذل جهودًا ضخمة من أجل إصلاح الخطوط وعربات الركاب وتجديد القاطرات إلا أن الواضح أنه أرجأ إلى مرحلة قادمة إصلاح المحطات التي يشوبها قصور شديد في نظم الأمن والحماية جعلت العاملين في الإطفاء لا يجدون سبيلًا لإطفاء الحرائق سوى الجرادل.
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري