يتابع العالم بقلق بالغ التغيرات المهمة التي يمكن أن تطرأ على مواقف القوى الدولية المختلفة من قضية سباق التسلح النووي والحد من انتشار السلاح النووي بعد إعلان الولايات المتحدة سياسة أمنية نووية جديدة، تتمثل خطوطها العريضة في تنويع وتطوير ترسانتها النووية، بحيث لا يقتصر مخزونها على أسلحة الدمار النووي الشامل، وإنما تضم أيضاً أسلحة نووية تكتيكية منخفضة القدرة يمكن استخدامها ميدانياً لأهداف محددة دون المقامرة بدخول حرب نووية شاملة ورغم أن معظم المتخصصين في سباق التسلح يرون أن الرؤية النووية الأمريكية الجديدة يمكن أن تطلق عنان سباق التسلح بعد 40 عاماً من جهود خفض التسلح، وأن توسيع وتطوير الترسانة النووية الأمريكية وإضافة نوعين جديدين من الأسلحة النووية التكتيكية يُعد فوزاً كبيراً لأنصار الحرب الباردة وانتكاسة خطيرة لدعاة نزع السلاح وأن النتيجة المؤكدة لهذه العقيدة الأمريكية سباق جديد لتسلح نووي متعدد الأطراف يمكن أن تدخله روسيا والصين وأي دولة نووية يشكل خطرا جسيما على أمن العالم أجمع.
ولا يكتم الأمريكيون أن يكون أول دوافعهم لإصدار الوثيقة الجديدة الرغبة العارمة في كبح جماح كوريا الشمالية التي تعتبرها واشنطن أخطر الدول المارقة التي تملك برنامج تسلح نوويا يكاد يحقق جميع أهدافه، يُمَكن صواريخ كوريا من حمل سلاح نووي إلى أي من المدن الأمريكية على أرض الولايات المتحدة الدولة الأم بما في ذلك العاصمة واشنطن، خاصة أن كوريا الشمالية باتت على مسافة أشهر من تحقيق جميع أهدافها بعد تجربتها الأخيرة لصاروخها الجديد من طراز هواسونج 15 الذي يمكن أن يصل إلى أبعد نقطة في أمريكا.
ولا تعترف الإدارة الأمريكية بمحاولة التقارب التي تبذلها الكوريتان الشمالية والجنوبية، وتعتبر هذه الجهود أقرب إلى أن تكون عملية مداهنة لا تغير شيئاً في وضع كوريا الشمالية باعتبارها دولة مارقة يتحتم نزع سلاحها النووي، وأن على الولايات المتحدة أن تواجه حقائق الموقف لا أن تخفي رأسها في الرمال، بينما نقلت وكالة أنباء كوريا الشمالية على لسان مسئولين كوريين، أن الوثيقة النووية الجديدة تكاد تكون بمثابة إعلان الحرب على العالم أجمع، وأن الرئيس ترامب بهذه الوثيقة يسعى لحرب نووية، وأن النهج الأمريكي يؤكد أن كوريا كانت على صواب عندما أصرت على تعزيز درعها النووية، وفي السياق نفسه قال نائب القائد العام لحرس الثورة الإيراني، إن الوثيقة الأمنية النووية الأمريكية الجديدة سوف تؤدي إلى تسارع السباق النووى وأن إيران لن تخاف ولن تتراجع، وأنها تستطيع الآن إطلاق صاروخ يستهدف جميع القطع المتحركة البحرية والجوية بدقة عالية وبسرعة تعادل ثمانية أضعاف سرعة الصوت، وهذه التقنية الجديدة تنفرد بها إيران دون أي قوة أخرى!
وعلى حين أكد محللون خبراء في نزع التسلح أن الوثيقة الأمريكية توسع نطاق الظروف التي تلجأ إليها الولايات المتحدة في طلبها استخدام أسلحتها النووية التكتيكية بما يمثل تحولاً خطيراً في استخدام الأسلحة النووية يمكن أن يشيع وينتشر، وباختصار فإن توفير أسلحة نووية أيسر استخداماً سوف يساعد ويشجع على استخدام هذه الأسلحة!. وتؤكد مصادر أمريكية أن الوثيقة الأمنية الجديدة سوف تلبي الحاجة الملحة إلى استبدال بعض عناصر الترسانة الأمريكية فضلاً عن تحسين أنظمة القيادة والتحكم في الغواصات والصواريخ والقاذفات، لكن الكابوس الذي يخشى الأمريكيون تكراره ، يتمثل في إمكان استخدام موسكو قواها العسكرية التقليدية في تحقيق كسب عسكري خاطف، كما حدث في منطقة البلطيق، ثم التهديد باستخدام أسلحة نووية لمنع أي محاولة لاستعادة هذا الكسب الخاطف، ولهذا السبب على وجه التحديد تسعى الولايات المتحدة لإيجاد قدرة نووية تكتيكية تروع الروس عن هذه المقامرات! وفي النهاية فإن العقيدة الأمريكية الجديدة سوف تستدعي دون شك مرحلة سباق نووي تهدد أمن العالم.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري