أما رأيتموه يطوف بينكم..؟

بقلم د/هدي زكريا

 

من الذى لاتسيل دموعه وهو يرقب الجحافل البيضاء وهي تتدافع مرددة : لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك.. تصحبهم من خلف نافذتها شجية الصوت ليلى مراد والشجن يغلف نبرات صوتها: يا رايحين للنبي الغالى هنيالكم وعقبالي …!!
نعم لقد حولت المحروسة الحج من مجرد رحلة دينية للأراضى المقدسة أياماً معدودة يكمل بها المسلم الفرائض إلى حالة روحية وفنية وعملية تنتاب مصر كلها طوال العام ،
فصناع النسيج الثمين من الحرير والقطيفة والمطرزون يزخرفون النسيج بخيوط الذهب والفضة لكى تليق بكسوة الكعبة الشريفة والتى يتوجب أن ينتهى العمل بها قبل موعد الحج بثلاثة شهور ويتهيأ (المحمل) للرحيل إلى مكة مصحوباً بقوافل المؤن والأغذية والثياب التى كانت توزع على فقراء المسلمين بأراضي الحجاز التى لم تكن قد سميت بالسعودية آنذاك .
ويتجمع الحجاج المصريون الذين تأهبوا للرحلة عند باب الفتوح بقلب القاهرة القديمة ولا يقتصر الجمع على حجاج مصر وإنما تنضم إليهم لتحتمى بهم ،
وتتدفأ أفواج الحجاج القادمين من شمال إفريقيا كالمغرب وتونس وليبيا والجزائر وغيرها فتتقدم فرق الجيش المصرى الموكب المهيب وفى المقدمة يتهادى هودج المحمل الذي يتشرف بحمل الكسوة المشرفة وتتجمع الجماهير الغفيرة لوداع الموعودين بزيارة الحبيب والجمع يجهر بالدعاء،
وعلى رأس المودعين يقف الحاكم أو الملك ليحييهم ويتأكد من إتمام إجراءات السلامة بعد أن إنتهت الاجراءات اللوجستية بانشاء “التكايا”على طول الطريق داخل حدود البلاد وعلى طول الطريق داخل الأراضى الحجازية،
والتكية لمن لا يعرف هى إستراحات وفنادق ينزل بها المسافرون حتى يصلوا إلى مكة سالمين تحيط بهم فرق الجيش لتحميهم من عدوان القبائل التى تعيش على سلب القوافل المسافرة آنذاك. نعم مارست المحروسة دورها الذى لم يكلفها أحد بأدائه ومسئوليتها باعتبارها منارة الإسلام وقبلة أنظار المسلمين، فأخذت على عاتقها حماية ورعاية الأراضى المقدسة التى لم يكن لها من يحميها، فلم تكن أراضى الحجاز قد حملت إسم السعودية بعد ولم يكن البترول قد طفر من آبارها، فكان الفقر وقسوة الصحراء والبداوة سمة الحياة آنذاك ، وكان موسم الحج هو الانفراجة التى تهون على الناس جفاف أيامهم. أجل كانت رحلة الحج صعبة قاسية حملت المحروسة هم تخفيف صعوبتها وترطيب قسوتها وتضمن الأمان لكل من يأتى على كل ضامر من كل فج عميق وكان الفلكلور المصري يعج بأغانى وداع الحجاج وإستقبالهم وفرحتهم بلمس الحجر الأسود والصلاة بين يدى رسول الله عليه الصلاة والسلام أذكر تلك الأغنية التي ترددها نساء الجيران قائلات: رايحة فين ياحاجة يام الشال قطيفة…فترد منشدة : رايحة أزور النبى محمد والكعبة الشريفة. والآن فيا سيدى يا رسول الله عليك أفضل صلاة وسلام إسمح لى أن أطلب حكمك فيما شجر بيننا ! بعد أن تغيرت الأحوال وذهبت أيام المحمل ورحلة البعير وجاءت أيام صارت فيها الطائرة تحمل الحجاج إلي أعتابك فى ساعات ، وبعد أن كان الناس يحلمون بزيارة واحدة فى العمر صاروا يستسهلون الرحلة فيكررونها مرات ومرات وصار الإزدحام بالملايين، ورغم نبل الهدف من الرحلة بغسل الذنوب وطلب المغفرة وإكتمال الفرائض ، إلا أن الأمر صار بصورته الراهنة يمثل مشكلة حقيقية للإقتصاد القومي للمحروسة التي صارت تضخ سنوياً عشرة مليارات من الدولارات بعد أن صار حجاج مصر يمثلون الرافد الأكبر لدخل المملكة السعودية من الموسم، ولم يقتصر الأمر علي القادرين وإنما صار فقراؤنا قبل الأغنياء يقترون على أنفسهم وذويهم في الطعام والدواء ليوفروا ثمن الرحلة علي سطح عبارة أو بالأوتوبيسات المجهدة تحركهم الدوافع الدينية البريئة والفضائيات التى تهدف إلى تجريف أموال المصريين لتنعش إقتصاد من يقرضوننا من أموالنا أقل القليل وهم يصعرون الخد. مصر تستغيث بك ياحبيب الله ،
وهي تعج بالفقراء والمرضى وتعجز مستشفياتها عن إستقبال مرضاها ويعجز الدواء عن تغطية إحتياجات ضحايا الفشل الكلوى والسرطان، ويلقى زهرة فتيانها بأنفسهم إلى إلبحر فى مغامرات يائسة طلباً للقمة الخبز ليصير شبابهم غذاء لأسماك القرش. ألايظهر من بيننا شجاع مثل الصحابى الجليل الذى ذهب فى صحبتك الطاهرة إلى الحجة الوحيدة التى قمت بها إلى مكة فشاهد عند تخوم مكة تلك الأرملة الفقيرة التى كانت تغلى الماء لتشغل أطفالها الجائعين بأوهام طبخ الطعام فمنحها كل ما لديه من مال كان سينفقه فى الحج، وقفل راجعا دون أن يكمل رحلته. ألا ينبغى لنا أن نقتدى بهذا الرجل الذى أجبت أصحابك – وهم يفتقدونه بينهم بعد أن تركهم يكملون الحج الذى تنازل عنه-أما رأيتموه يطوف بينكم.؟! أشهدك يارسول الله أنى بقدر ما أتمنى زيارتك لأغسل الروح بالبكاء بين يديك ، فاننى سأستعين بالله على جهاد أكبر إنتويت القيام به بالإبحار عكس التيار الجارف المتجه إلى أم القرى لأن مسئوليتى تجاه المحروسة وهمومها لا تمنحني الفرصة لتحقيق حلمي الذاتى بالإرتماء على أعتابك ، لكن قلبي سيطوف حول الكعبة وروحي ستظل تهفو للقاءك أما الآن فلا سبيل أمامى إلا أن أشد الرحال إلى …المحروسة.

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *