الحريري يتراجع عن الاستقالة لمصلحة لبنان

اليوم تتنفس لبنان الصعداء بعد سبعة عشر يوماً من الضغوط وهواجس التصعيد السياسي والعسكري وذلك عقب إعلان سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني رجوعه عن الاستقالة غداة عودته للوطن وصبيحة الإحتفال بعيد الاستقلال الوطنى.
الرئيس اللبناني ميشيل عون:-
لقد أظهر الحريري تجاوبه مع مطلب عون بالتريث في تقديم الاستقالة قائلا: “آملا أن يشكّل مدخلا جديّا لحوار مسؤول”كما تقدم بالشكر للرئيس عون على عاطفته النبيلة وحرصه الشريف على لبنان خلال الأزمة.
وأكد عون في كلمة وجهها الثلاثاء بمناسبة عيد الاستقلال ، تعليقاً على الأزمة الحكومية «صحيح أنها عبرت ، إلا أنها قطعاً لم تكن قضية عابرة ، لأنها شكّلت للحكم وللشعب اللبناني اختباراً صادماً وتحدياً بحجم القضايا الوطنية الكبرى, وأضاف لن ينصاع إلى أي رأي أو نصيحة أو قرار يدفعه باتجاه فتنة داخلية داعياً اللبنانيين للحفاظ على وحدتهم ، ولطالما شكل لبنان ساحة تجاذبات بين القوى الإقليمية .
ونلاحظ أن قلق “عون” أكده “الحريري” في كلمته المتلفزة بعد الاستقالة ، وأيضا في كلمته بعد التراجع عنها ، وقال اليوم : “وطننا الحبيب يحتاج في هذه المرحلة الدقيقة إلى جهود استثنائية من الجميع ووجوب الالتزام بسياسة النأي بالنفس عن النزاعات الإقليمية ، وكل ما يسيء إلى العلاقات الأخوية مع الأشقاء العرب”.
وأضاف : “أتطلع إلى شراكة حقيقية من كل القوى السياسية في لبنان لتقديم مصلحة البلاد العليا على أي مصالح أخرى.
رئيس مجلس النواب اللبناني:-
وقد قام الحريرى بتوجيه الشكر لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري لما أظهره من حرص بالغ على الدستور ، وقد اتخذ “بري” موقفاً سريعاً حيال استقالة الحريري واعتبرها لاغية في حينها قائلاً : “استقالة رئيس الوزراء غير نافذة دستورياً ، والحكومة اللبنانية لا تزال تمارس صلاحياتها ، وما يواجهنا اليوم يفترض منا جميعا أن نحصّن هذه الوحدة والحكومة ما زالت قائمة، وإعلان الرئيس الحريري استقالته بهذا الشكل لن يغير من كامل أوصافها”.
الرئيس الفرنسي:-
إن الاهتمام الفرنسي بلبنان ليس أمراً جديداً. فتاريخ العلاقات بين البلدين المستمرة منذ عقود يشهد على الأقوال والأفعال الفرنسية في استحقاقات لبنانية في شتى الميادين. وما زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى فرنسا منذ أيام إلا فصلاً جديداً من سجل الاهتمام الفرنسي وحيث أن اللقاء الثنائي الذي جمع بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري والذي استمر نحو 40 دقيقة واستُكمل بمؤتمر صحافي مشترك يعكس متانة العلاقة التي تربط الرجلين ، خاصة إن مؤتمرات صحافية كهذه لا تكون إلا بين رئيسي دولة بعد لقاء قمة بينهما ، وهذا ما يؤشّر إلى “مكانة” الرئيس الحريري بالنسبة لفرنسا وتحديداً في عهد الرئيس ماكرون.
وقد خصص الإعلام الفرنسي هامشاً واسعاً لتغطية اللقاءات الفرنسية-اللبنانية على مدى يومين, وأظهرمدى حرص الرئيس ماكرون خلال المؤتمر الصحافي المشترك على كشف النقاب عن ثلاثة أمور تتعلق بلبنان وتحدياتها الراهنة وتحمل بصمات فرنسية:
أولاً:الإعلان عن مؤتمر دعم دولي يُعقد في إيطاليا العام المقبل لمساعدة الجيش اللبناني نظراً للأدوار الجبّارة التي يضطلّع بها على صعيد مكافحة الإرهاب وحماية الحدود من أي خطر داهم. (تشدد السلطات الفرنسية على أهمية دعم الجيش ورفع حجم المساعدات العسكرية له).
ثانياً:الإعلان عن مؤتمر دولي في باريس للمانحين والمستثمرين للنهوض بالاقتصاد اللبناني الذي يُعاني ركوداً وشللاً ، إضافة إلى تفعيل مجموعة الدعم الدولي للنهوض بالاقتصاد بمساعدات مالية تمكّنه من الصمود وتحقيق معدلات نمو شامل.
ثالثاً:تنظيم مؤتمر “حول عودة النازحين إلى بلادهم (يُعقد في فرنسا أو في أي بلد عربي) وذلك في النصف الأول من العام القادم ويشمل الدول المُضيفة للنازحين ودول الجوار ، كما يتم من خلاله وضع أسس محددة لتنظيم العودة “الآمنة” لهؤلاء النازحين إلى مناطق خفض التوتر في سوريا التي تتسع رقعتها.
وعن ملف النازحين السوريين الذي يرزح لبنان تحت أعبائه المالية والاجتماعية وحتى الأمنية فهناك “لقاء مهم تم بالفعل بين الوفد اللبناني المرافق ووزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان تخلله موقف فرنسي “متقدّم” من مسألة النزوح ، لناحية زيادة وتيرة المساعدات المالية والاجتماعية والتربوية للبنان لمساعدتها على تحمّل أعبائها.
وليس بعيداً من هذا الملف “الرسالة التي وجهها الرئيس الفرنسي إلى وزير التربية “مروان حماده” شدد فيها على أهمية استمرار العلاقات بين لبنان وفرنسا، خاصة على الصعيد الثقافي نظراً لأن العلاقة بينهما قائمة منذ عقود باعتبار أن لبنان مرتبط بالفرنكوفونية”، وكشفت عن مساعدات فرنسية للقطاع التربوي في لبنان إنسجاماً مع ما ورد في الرسالة ، لناحية الأعداد الضاغطة من النازحين السوريين في المدارس الرسمية.
وفي انتظار الزيارة اللبنانية الرسمية الثانية وهى زيارة الرئيس اللبناني العماد ميشيل عون إلى فرنسا نهاية الشهرالجاري والتي تعد الزيارة الأولى له منذ انتخابه رئيساً ، وذكر “إن زيارة الرئيس الحريري إلى فرنسا ، وضعت اللبنات الأساسية لزيارة الرئيس عون ، من خلال إطلاع السلطات الفرنسية على الموقف اللبناني من ملفات عدة تبدأ بدور الجيش في تعزيز قيام الدولة من خلال محاربته الإرهاب ولا تنتهي بتأمين العودة “الآمنة” للنازحين السوريين إلى بلادهم ، من دون التوقيع على اتّفاقيات مشتركة تنتظر لقاء القمة الذي يجمع ماكرون بعون خلال زيارة الأخير لباريس.
الرئيس السيسي:-
عقب زيارته الأولى إلى مصر في الثاني والعشرين من مارس الماضي بعد نجاح صفقة سياسية في نهاية عام 2016 ، مكنت لبنان من الخروج من فراغ رئاسي وأزمة سياسية ، يحل سعد الحريري ضيفاً على القاهرة في زيارة ثانية
يحمل فيها عدة ملفات مطروحة للمناقشة وفي مقدمتها آخر تطورات الأوضاع بلبنان ، وكيفية نزع فتيل الأزمة اللبنانية ومستقبل الأوضاع بلبنان وعلاقته بمحيطه العربى.
وحول هذه الزيارة والرسائل التي تحملها والنتائج المتوقعة على الصعيد اللبناني ، قال “توم حرب” عضو الحزب الجمهوري ورئيس التحالف الأمريكي الشرق أوسطي :”هذه الزيارة هى ضمانة الدول العربية تجاه الحكومة اللبنانية ، كما أنها تبعث برسالة مهمة للعالم والمنطقة العربية مفادها إن مصر تعضد لبنان وتؤازرها في أزمتها ومواجهة نوايا إيران الخبيثة لزعزعة استقرار لبنان والمنطقة ، وتؤكد على ضرورة توحيد الجهود العربية لدحض نفوذ إيران ، ومساعي حزب الله المدعوم من إيران لإقحام لبنان في الأزمة السورية واليمنية بحروب خارج الحدود.
وأضاف “توم”: زيارة “سعد الحريرى” تعمل على توحيد الجهود العربية لحل الأزمة اللبنانية ، خاصة إنها تأتي بعد القمة الطارئة لوزراء الخارجية العرب التي عقدت في القاهرة وهذا أمر ينذر ببدء تعرية حزب الله من غطاء الدولة اللبنانية .
وقد كان لمصر جهود سابقة في حل الأزمة السياسية ورأينا جولة وزير الخارجية سامح شكري مطلع الشهر الجاري لإجراء محادثات في عدد من الدول العربية منها السعودية تتضمن بشكل رئيسي الأزمة المثارة حول استقالة سعد الحريري، هذا فى إطار تحرك الدولة المصرية في الملفات الإقليمية.
وأوضح “توم” إن ملف حزب الله وإيران وعبثها بأمن المنطقة يفرض نفسه بقوة على طاولة النقاشات العربية لضلوعها بأزمة لبنان وتهديد الحوثيين من اليمن لأمن الدول العربية من جهة أخرى، بالإضافة لعلاقة التدخلات الإيرانية باستقالة الحريري ، وأكد بأنه لا تراجع عنها إلا بوضع ملف حزب الله وأسلحته على الطاولة لتشكيل أي حكومة جديدة في المستقبل وقطع العلاقات بين إيران والسلطة بلبنان من خلال هيمنة حزب الله على الساحة اللبنانية وقد سحبت استقالة الحريري الغطاء الشرعي عن حزب الله في لبنان ، مؤكدا إن حل الأزمات التي يعانيها لبنان لن يتم ما لم يتم تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي يدعو لتجريد سلاح حزب الله وجميع الميليشيات في لبنان . وأكد توم إن النفوذ الإيراني سيتقلص خلال عامين في ظل وجود الجهود العربية الرامية لتحقيق هذا الهدف.
وقد أيد البروفيسور “دانيل بيبس” رئيس منتدى الشرق الأوسط ذلك فقال :” النوايا غير الطيبة لإيران التي لم تسمح بعمليات التفتيش وتصر على بناء أسلحة نووية خلال سنوات إنتبه “ترامب” لأهدافها وبدأ يأخذ منحى ضدها وذلك بالاعتراض على الاتفاق النووى الإيراني الذي يوضح أهدافها النووية وسيقاوم ترامب إيران بكل قوته ، وهو ما يتوافق مع رؤى الدول العربية.
ومن جهة أخرى أكد “بشارة خير الله” مستشار الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان إن مصر ستظل أم العرب جميعا وكثيرا من الآمال توضع على زيارة سعد الحريري وهى خطوة إيجابية بكل الجوانب موضحا أن الرئيس السيسي لديه من القدرات والخبرات ما يجعلنا نثق في قدرته على المساهمة الكبيرة في حل الأزمة اللبنانية ، كما إنها تعكس استمرار مصر في دورها الريادي بالمنطقة ، فهذه ليست المرة الأولى التي تقف فيها مصر موقف المعضد للبنان.
وأضاف “خير الله” إن زيارات الحريري الخارجية التي بدأها بالرياض ثم باريس وبعدها القاهرة تأتي في سياق مساعي ورغبة سعد الحريري في تهدئة الأوضاع بلبنان ، كما أشاد بشارة بالزيارة التي قام بها “أبو الغيط” للبنان مؤكدا إنها إيجابية ، وعن زيارته القادمة لبيروت قال هى لتأكيد استقالته والمشاركة في عرض الاستقلال كرئيس حكومة المستقبل.
و أوضح خير الله إن توسع نفوذ حزب الله في السلطة بلبنان وتورط حزب الله في معارك خارج لبنان كما في سوريا ، كما إن تصريحات حسن روحاني التي أكد فيها إن القرار في لبنان بيد حزب الله زادت المشهد تعقيداً وعلى حزب الله التخلي عن سياساته..
ومن جانب آخر ، توقع دكتور” توفيق هندي” مستشار رئيس القوات اللبنانية رسم خريطة طريق للأزمة اللبنانية تنطلق من القاهرة ، وتأتي هذه الزيارة في وقت بالغ الدقة ومهم ، فسبقها اجتماع مهم لوزراء الخارجية العرب بالقاهرة وتصريحات عادل الجبير التي تكشف الموقف العربي من إيران ، وهذه بداية تحرك واسع ضد إيران ، مشيرا إلى أنه لا توجد دولة صاحبة مصلحة في زعزعة استقرار المنطقة إلا إيران فالجمهورية الإسلامية في إيران تحتجز حرية لبنان عبر ذراعها ـ حزب الله ، وأكد إن ما تريد إيران إشاعته بأن عائلة الحريري رهينة بالسعودية يؤكد أهدافها المسمومة لتوتير العلاقات بالمنطقة. وأقول لن تكون عائلة الحريري رهينة بأى بلد بل للأسف لبنان تقع رهينة إيران وعلينا مواجهتها بكل قوة ، وأكد إنه لا توجد دولة من مصلحتها إيذاء السعودية سوى إيران.
وتُعد استقالة الحريري المفاجئة من خارج لبنان سابقة في الحياة السياسية اللبنانية ، إذ يقضي العرف بأن يتسلم رئيس الجمهورية الاستقالة خطياً من رئيس الحكومة خلال لقاء يجمع بينهما.
وقد حمل الحريري أسباب استقالته على إيران وحزب الله متهماً الأخير بفرض “الأمر الواقع” وعدم الالتزام بمبدأ “النأي بالنفس” عن النزاعات في المنطقة.
وأبدى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قبل يومين مرونة واستعداداً للتفاهم مع الحريري. وقال : بالتأكيد نحن جميعاً في لبنان ننتظر عودة رئيس الحكومة وهو بالنسبة لنا ليس مستقيلاً”، مضيفاً : “عندما يأتي سنرى ونحن منفتحون على كل حوار وكل نقاش يجري في البلد”..
وقد ربط المحللون هذه الاستقالة بالتوتر المتصاعد إقليمياً بين السعودية وإيران ، في إشارة إلى أن حزب الله يتلقى دعماً سياسياً وعسكرياً كبيراً من إيران. ويساند الطرفان النظام السوري في النزاع المستمر منذ أكثر من ست سنوات.
ورفض الحريري وفريقه السياسي على الدوام مشاركة حزب الله عسكرياً في النزاع في سوريا. ولطالما كان الحريري حليفاً للرياض التي كانت تضخ أموالاً ومساعدات على نطاق واسع للبنان لدعم موقف حلفائها.ورغم الانقسام بين القوى السياسية اللبنانية إزاء ملفات عدة داخلية وخارجية ، تحولت عودة الحريري مطلباً جماعياً.

شاهد أيضاً

الأعلى للإعلام: استدعاء الممثلين القانونيين لقناتي “الشمس” و”هي”

قررت لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس، استدعاء الممثلين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *