الحوكمة وأوضاع المؤسسات الصحفية القومية (1) بقلم : عبدالفتاح الجبالي

 

«في تاريخ المجاعات الرهيب في العالم، لم تقع أي مجاعة ضخمة في أي بلد مستقل، أو ديمقراطي، به صحافة حرة نسبيًا، ولا يوجد أي استثناء من هذه القاعدة بغض النظر عن المكان الذي ننظر إليه», بهذه العبارة البليغة لخص المفكر الاقتصادي الشهير والحائز على جائزة نوبل امارتيا سن، أهمية وضرورة حرية الصحافة والإعلام في أحداث العملية التنموية بالبلاد، وذلك انطلاقًا من الإيمان الكامل بأهمية الدور الذي يلعبه الإعلام والصحافة في المجتمع، كإحدى الدعامات الأساسية للديمقراطية والشفافية، وهو ما يتطلب العمل على توفير جميع الضمانات والإمكانات التي تساعد على أداء الممارسة الإعلامية والصحفية بحرية تامة دون أي ضغوط أو قيود تشريعية أو سياسية أو اقتصادية ومالية، يمكن أن تؤثر على حرية الكلمة والإعلام. ويساعدها على لعب دورها الأساسي المنوطة به خاصة فيما يتعلق بإنارة الرأي العام والمجتمع وتوعيتهما بجميع الحقائق وتعقب الانحرافات، لكي تصبح وبحق نبضًا صادقًا للمجتمع. ونافذة لأطلال المواطنين على الحقائق التي لا يجوز حجبها عنهم، ومدخلًا لتعميق المعلومات التي لا يجوز طمسها أو تلوينها، وذلك مع التزامها التام بمعايير وأصول المهنة وأخلاقياتها. وحماية حق المواطن في التمتع بإعلام وصحافة نزيهين وعلى قدر رفيع من المهنية، وفق معايير الجودة الدولية واحترام حقوق الملكية الفكرية والأدبية، وبما يتوافق مع الهوية الثقافية المصرية، جنبًا إلى جنب مع ضمان التزامها بقيم الممارسات الديمقراطية السليمة، والعمل على وصول الخدمات الصحفية والإعلامية إلى جميع مناطق الجمهورية بشكل عادل. كل هذه الأمور وغيرها يؤكد أهمية وضرورة وضع الضمانات التي تؤهل المؤسسات الصحفية للقيام بدورها، مع ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام في إطار من المُنافسة الحرة، وضمان استقلاليتها، وحيادها، وتعددها، وتنوعها.

من هذا المنطلق فإن الحكم على مدى سلامة الأوضاع المالية والاقتصادية للمؤسسات الصحفية القومية ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة هذه الأدوار ومساهمتها في زيادة الوعي العام بالمجتمع. وهذا لا ينفي بالطبع أهمية أن يتم ذلك بأعلى درجة من الكفاءة الاقتصادية والمالية. وهو ما ذهب إليه الدستور المصري في مادته رقم 212 والتي أشارت إلى أن دور الهيئة الوطنية للصحافة يجب أن يقوم على إدارة المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة وتطويرها وتنمية أصولها وضمان تحديثها واستقلالها وحيادها، والتزامها بأداء مهني وإداري واقتصادي رشيد.

وبعبارة أخرى فإن تطوير الصحافة وحريتها يبدآن أساسًا من إصلاح أوضاعها المالية والاقتصادية فالإدارة الرشيدة لاقتصاديات الصحف تعد العنصر الحاسم في هذه المسألة. فحسن إدارة الأصول المملوكة للمؤسسات الصحفية، وضمان حد أدنى من التوازن المالى والاقتصادي لها، وتعظيم قدرتها على التمويل الذاتي للنشاط تعد من الأمور الأساسية التي يجب العمل عليها وتنميتها بالدرجة التي تحول دون ممارسة أي ضغوط مالية أو اقتصادية، من هذا الطرف أو ذاك.

تواجه المؤسسات الصحفية القومية العديد من المشكلات المادية والإدارية وتعاني من مشكلة سيولة طاحنة تتمثل في عدم قدرتها على سداد الالتزامات قصيرة الأجل وعلى رأسها الأجور، حيث أصبح معظمها يعجز عن توفير الأجور الشهرية للعاملين بها، مع العلم بأن هذه المؤسسات يعمل بها نحو30 ألفًا (ما بين صحفي وإداري وعامل) أو شراء المستلزمات السلعية والخدمية. ومن أهم المؤشرات الدالة على سوء الأوضاع الاقتصادية ارتفاع حجم المديونية المستحقة عليها للجهات المختلفة في الدولة، لتصل إلى 17.6 مليار جنيه وقد أصبح رأس المال العامل لديها جميعًا بالسالب بسبب زيادة الالتزامات المتداولة بمعدلات تزيد عن نسب الزيادة في الأصول المتداولة، وخطورة هذا المؤشر تكمن في دلالته حيث يشير إلى عدم قدرتها على سداد الالتزامات قصيرة الأجل من موارد النشاط، ويرتبط بما سبق ضعف الإيرادات المتحصلة من النشاط الجاري للمؤسسات وعدم تناسبها مع المصروفات، خاصة مع تراجع إيرادات الإعلانات بشدة خلال الفترة الماضية، كما تشير البيانات المالية لهذه المؤسسات إلى انخفاض الوزن النسبي لرأس المال إلى إجمالي تمويل الاستثمارات، وبالتالي تزايد الاعتماد على القروض، فضلًا عن تآكل حقوق الملكية نتيجة للزيادة المستمرة في الخسائر المرحلة عامًا بعد آخر.

وجدير بالذكر أن هذه الأوضاع أدت إلى تزايد الاعتماد على الخزانة العامة للدولة بصورة كبيرة، حيث قامت بدفع نحو 1196.6 مليون جنيه خلال العام المالي 2017/2018 ونحو 1204 ملايين خلال العام المالي 2016/2017 فيما يعد أضعاف المبالغ التي كانت تدفع من قبل والتي تراوحت بين 392 مليونًا عام 2013/2014 و232 مليونًا في العام الذي سبقه. مع ملاحظة أن بدل التدريب والتكنولوجيا لا يمثل إلا نحو 237.5 مليون جنيه عام 2017/2018 بينما وصلت الإعانات غير المتكررة إلى 880 مليونًا مقابل نحو 15 مليونًا عام 2012/2013 كما حصلت بعض هذه المؤسسات على قروض حسنة.

وتدلنا المؤشرات السابقة وغيرها على أن المؤسسات الصحفية قد وصلت إلى مرحلة الأزمة بالمعنى الذي أشار إليه أنطونيو جرامشي, عندما يموت القديم، ويتردد الجديد في إبصار النور, وبعبارة أخرى فإن النظام القديم قد انهار تمامًا، وللأسف فإن النظام الجديد لم ير النور حتى الآن، الأمر الذي يتطلب التدخل السريع والحاسم للقضاء على جميع هذه المشكلات. ومع تسليمنا الكامل بأن بعضها حديث نتيجة للتغييرات الجارية على الساحة الاقتصادية حاليًا، سواء تعلق ذلك بالتغييرات في سعر صرف الجنيه المصري وما نجم عنه من ارتفاعات كبيرة في تكاليف الإنتاج ومستلزماته ناهيك عن القرارات السيادية الخاصة برفع الأجور والرواتب.

ويعد أحد الأسباب الأساسية في رأينا هو ضعف، بل وغياب المتابعة الدقيقة والفعلية للأداء المالي لهذه المؤسسات، كنتيجة أساسية لغياب المالك القانوني لهذه الأموال عن الساحة وتغاضيه عن ممارسة حقه القانوني والطبيعي في الرقابة على هذه الأموال، خاصة أنها مؤسسات مملوكة للدولة ملكية خاصة، ولا تدخل في عداد الوحدات الحكومية أو الشركات العامة الخاضعة للقانون 85 لسنة 1983 والذي حدد هذه الجهات على سبيل الحصر، ولم يكن من ضمنها المؤسسات الصحفية العامة، وهى مسألة جوهرية تحتاج إلى حسم واضح. وهنا يصبح التساؤل هو كيف تعاملت قوانين الإعلام التي وافق عليها البرلمان أخيرًا مع هذه المشكلة؟ وهو ما سنتناوله في المقال القادم بإذن الله.
جريدة الأهرام

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *