الوعي المجتمعي بقلم: محمد على الهواري باحث في الشئون السياسية بالولايات المتحدة الأمريكية

في بداية حقبة السبعينات كتب عالم الاجتماع الأمريكي الشهير هربرت تشيلر دراسة نقدية معمقة عن وسائل الاتصال الأمريكية ودورها المشبوه في تغييب الوعي الجمعي للمجتمع وكيفية تلاعب نخبة قليلة لديها المال والنفوذ والمعرفة بعقول المواطنين الأمريكيين وصناعة نسق عام مضلل بطريقة مثيرة وجذابة. نشرت هذة الدراسة الهامة في كتاب تحت عنوان المتلاعبون بالعقول ” minds Mangers ” تم ترجمته إلى العربية سنة 1999.
يفضح الكاتب أكبر عملية غسيل مخ في تاريخ البشرية يتم فيها تخدير الضحية قبل ذبحها بل ويجعلها تستمتع وهي تشاهد كالقطيع برامج أجهزة التلفاز التافهة، وتستمع إلى البرامج الإذاعية الديموجاجية وهي تقرأ عناوين الصحف والمجلات الكاذبة وتلهث وراء أرقام استطلاعات الرأي المفبركة كل ذلك يتم بحرفية وإتقان لا مثيل له لأن عملية تضليل المجتمع يجب أن تكون خفية وناعمة فحدود الإنفاق على هذه الآلة الجهنمية غامض ومريب. لا يوجد أدنى شفافية في معرفة الملاك الحقيقيون لهذه الآلة أو أهدافهم، ولماذا يتم رصد كل هذه الميزانيات الهائلة التي تصب في شرايين وسائل اتصال لها صبغة عالمية تؤثر بشكل مباشر على طريقة تفكير الناس.
يطرح الكاتب رؤية تحليلية لآليات التأثير والسيطرة على العقول من خلال عمليات جمع ونشر المعلومات في محاولة جادة لفهم طبيعة صناعة الثقافة الأمريكية المعقدة التي يتم تصديرها إلى شتى بقاع الأرض. فيذكر بخبث متعمد أن عدد موظفي وكالة المخابرات المركزية في بدايتها فقط 200 ألف موظف !!
وأن شركة مثل والت ديزني الترفيهية ما هي إلا أداة سياسية لترسيخ النمط الأمريكي مما حذا بالصين أن لا يشاهد أطفالها البطة دونالد، أو إن مجلة رصينة مثل ناشيونال جيوجرافيك لها دور مشبوه في بث الأهداف الاستعمارية للعم سام.
ربما يتحدث الكتاب عن حقبة بعيدة من القرن المنصرم أو على نطاق محلي إلا أنه يؤسس نظرية حتمية الهيمنة الإعلامية، لأنها السلاح الفتاك في أحكام السيطرة على العقول، ومن ثم السيطرة على العالم خاصة المجتمعات الهشة والفقيرة معرفيا التي لا حول لها ولا قوة.
أما الآن فحدث ولا حرج فوسائل التواصل الاجتماعي تحرك البشر كالدمى، دعونا ننظر إلى أنفسنا بتجرد فخلال العقد الحالي حدثت سيولة إعلامية جرفت سيول من الكيانات والأشخاص والمعلومات إلى واجهة المشهد كنت أنت وأنا هدفهم الأول والوحيد، كم من مرة انسقنا وراء حملات إعلامية مضللة دون تروي، كم مرة كنا عناصر فعالة لتأليب الناس وحشدهم دون أن ندري.
كم مرة وجدنا أنفسنا مندفعين بغضب على مواقع التواصل الاجتماعي لحدث ما اكتشفنا أنه كذب بعد فوات الأوان.
مما لا شك فيه أن الحدث المزيف ينتشر أسرع من الحقيقي، اللعبة الاقتصادية تدار سياسيا واللعبة السياسية تدار إعلاميا لك أن تعلم أن أبانا الذي يجلس على قمة الإعلام هو من يتحكم في عقلك ووعيك، فهو الذي يسمح لك أن ترى وتسمع ما يريده ويحجب عنك ما لا يريده
الإعلام لعبة، لذا المواطن الجاهل بحقيقة الصراع الحالي يسهل تعليبه إعلاميا وتوجيه عقله إلى حيث لا يدري نحن مجرد أرقام في قوائم الاستهلاك لكل شيء لا أكثر .
يا سادة علينا مواجهة الحقيقة نحن لسنا أفضل حالا من المجتمع الأمريكي نحن لسنا واعيين بقدر ما نظن، فرفقا بأنفسنا.
“وسائل الإعلام تعمل لمصلحة مَنْ تمثل إنها ليست هنا لتخدم الحقيقة، ولا لتثقيف الناس، إنها تعمل لتقييد الحقائق.. لتشويهها “ناعوم تشومسكي”.

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *