عندما اندلعت مظاهرات الاحتجاج وأعمال العنف والتخريب لأصحاب السترات الصفراء بفرنسا في الثلث الأول من شهر ديسمبر الماضي انطلاقاً من شارع الشانزليزية في عاصمة النور باريس بسبب تحرك أسعار المحروقات وانخفاض الحد الأدنى للأجور وارتفاع الضرائب ، فقد علقت على تلك الأحداث بجريدة الأخبار يوم 14 ديسمبر إجمالاً بالقول إنها جاءت كرد فعل لم يكن مساوياً للفعل لا في المقدار ولا معاكساً له في الاتجاه، وارتدت آثارها السلبية على الاقتصاد الفرنسي بخسائر مؤكدة ..
وقد أبديت تعاطفي الشديد في ذلك الوقت مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون .. وقلت في هذا السياق: أعتقد من وجهة نظر شخصية أن ما حدث ساعدت عليه أيادي خارجية، فإذا ألقينا نظرة بانورامية سريعة على العالم سنجد أن الرئيس ماكرون ما كان ليطمح إلى دور أكبر لفرنسا حالياً على المستوى الأوروبي في ظل التراجع لكل من أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية بسبب قضية المهاجرين وتريزا ماي رئيسية وزراء بريطانيا بسبب قضية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وأيضا موقف الرئيس الأمريكي ترامب المتحفز تجاه الرئيس ماكرون وغمزه ولمزه المتواصل بشأن اتفاقية المناخ وأن أموال الشعب الفرنسي تذهب لدول العالم الثالث من أجل حماية البيئة !!
وفي زيارة الرئيس ماكرون لمصر مؤخراً كان طبيعياً أن تثار بعض قضايا ” الحريات ” وليس قضايا حقوق الإنسان، كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي أن قضايا حقوق الإنسان يجب أن تكون بمفهومها الشامل؛ لأن جميع تلك الحقوق متشابكة ومتداخلة وتعزز بعضها البعض ولا يمكن تجزئتها ..
وفي هذا السياق كان طبيعياً أيضا أن يتحدث ماكرون عن بعض الموضوعات المثارة التي تصل إلى مسامعه، أو تلك التي ترد في تقارير خاصة من بعض المنظمات الممولة من الهيئات الأوروبية والأمريكية لتحقيق أهداف معروفة ..
ولأن رئيس فرنسا بلد النور والحرية فالمطلوب منه أن يبدي اهتماماً على الأقل بمنظمات المجتمع المدني وما يثار أحياناً من إيقاف بعض المواقع وحبس بعض المدونيين المتجاوزين في حق بلدهم، وقد فعل هذا بالفعل ..
ورغم إني متقبل ما ذهب إليه ماكرون أود أن أوضح له أشياء يبدو إنها غابت عنه وهو الرجل المتمكن الفاهم لأصول السياسة والإدارة وتواريخ الشعوب، ولكنها أشياء خاصة بشعوب العالم الثالث .. فلا شك أن المدون الفرنسي يعي كثيراً من مفردات الحياة التي تحيط به، حتى هؤلاء المجنسون لأنهم انخرطوا في الحياة الأوروبية وأصبحوا جزءاً منها ..
ولعل التقرير الذي أصدرته هيئة الإذاعة البريطانية الــ ( بي بي سي ) في الأسبوع الأخير من فبراير الماضي وأعدته مراسلتها أورلا جورين تحت عنوان ” الظل الذي يخيم على مصر ” أبلغ دليل على ما يمكن أن يقع فيه المراسل – أو أي شخص أجنبي – من أخطاء في الحكم على الأشياء على ضوء مفردات وظروف الحياة المحيطة به ومدى تفاعل الناس معها .. ومن يرجع إلى هذا التقرير وما كتبته عنه في جريدة الأخبار يوم 3 مارس 2018 سيعرف إلى أي مدى عاشت أورلا جورين في عالم آخر طوال مدة عملها بالقاهرة .. ولم يكن هذا ذنبها ولكنه الربيع الصناعي الذي أرادوا له أن يدمر بلادنا !!
وفي النهاية لا يحضرني إلا أن أتذكر كلمات قالها الرئيس ماكرون في ختام زيارته: ” مصر حقاً قوة إقليمية .. واستقرارها أساسي بالنسبة لنا ديموجرافياً، بالمائة مليون نسمة ولموقعها في المنطقة ودورها كرئيس وشيك للاتحاد الإفريقي وفي موضوعات الشرقين الأوسط والأدنى” ..
” تحيا مصر .. وتحيا الصداقة المصرية الفرنسية “.
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري