عبدالفتاح الجبالى … نحو حيز مالى لعلاج عجز الموازنة

شهدت الولايات المتحدة الامريكية أخيرا جدلا كبيرا حول الموازنة الفيدرالية في ظل انقسام الجمهوريين والديمقراطيين بشأن عدد من القضايا الرئيسية، وفشل مجلس الشيوخ في الموافقة على مشروع الموازنة الجديدة. الأمر الذي ترتب عليه إغلاقا جزئيا للعديد من المكاتب والهيئات الفيدرالية إذ لم يحظ المشروع على الأصوات الستين المطلوبة لإقرار الميزانية. وجدير بالذكر إن آخر إغلاق للحكومة الأمريكية حذت عام 2013. وقد تزامن ذلك مع العديد من الأحداث التي شهدتها بعض البلدان مثل الأردن والسودان وتونس والمغرب وغيرها من تظاهرات احتجاجا على بعض الإجراءات التقشفية التي قامت بها لعلاج عجز الموازنة العامة، وكلها أمور تدل دلالة واضحة على مخاطر الأوضاع المالية القائمة، وضرورة علاجها بطريقة سليمة, وينطبق نفس الوضع على الحالة المصرية فعلى الرغم من التحسن النسبي في عجز الموازنة والذي هبط من 13% عام 2012/2013 إلى 11٫1% عام 2016/2017 إلا أنه مازال مرتفعا للغاية ويؤدي إلى العديد من المشكلات على رأسها الدين العام المحلي الذي ارتفع من نحو 79% من الناتج المحلي إلى 96% خلال نفس الفترة وزادت أعباء خدمته (الأقساط والفوائد) من 218 مليار جنيه إلى 580 مليارا، وأصبحت فوائد الدين العام تستحوذ بمفردها على 36% من إجمالي مصروفات الموازنة عن العام المالي 2016/2017 .

من هنا تواجه السياسة المالية مهمة شاقة تتمثل في تحقيق نتائج أكبر بجودة أفضل في بيئة معقدة تزداد فيها القيود على صانع القرار المالي بشدة، خاصة مع ارتفاع مستوى الدين العام ووجود تحديات ديموغرافية طويلة الأمد، وزيادة المخاطر التي تتعرض لها المالية العامة، وبالتالي يصبح من الضروري العمل على إيجاد حيز مالي معقول يسمح بتنفيذ السياسات المرغوبة لتحقيق التنمية الاحتوائية، وتسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتعمل على ضمان وصول ثمار النمو إلى الفقراء والطبقة الوسطى، وذلك عن طريق التصميم الجيد للسياسة المالية على جانبي الإيرادات والمصروفات، إذ اننا نلحظ أن جميع الجهود المبذولة حاليا من جانب السلطة المالية تركز في معظمها على جانب المصروفات دون الإيرادات خاصة الأجور والدعم، رغم أن هناك جوانب عديدة في الإيرادات يمكن التعامل معها, وفي هذا السياق أشار تقرير الراصد المالي الصادر عن صندوق النقد الدولي (أبريل 2017) إلى أن السياسة المالية الذكية هي التي تتمكن من تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وتشجع النمو الاحتوائي وذلك عبر خمس آليات أساسية وهى أن تكون مضادة للاتجاهات الدورية عن طريق الضبط التلقائي بالإيرادات والمصروفات التي يجب أن تتكيف مع ما يمر به الاقتصاد من ركود وكساد، والعمل على زيادة الاستثمار العام مع مراعاة الدقة فى اختيار المشروعات الممولة، وضمان الكفاءة، وضرورة العمل على احتواء الجميع (النمو الاحتوائي) مع ما يعنيه ذلك من ضمان وصول ثمار النمو إلى الشرائح الفقيرة والطبقات المتوسطة، وهنا يمكن استخدام برامج الدعم النقدي المشروط وزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم على أن تكون سياسة حذرة بمعنى أن تفهم جيدا المخاطر التي تتعرض لها، والعمل على معالجتها مبكرا.

ويرجع السبب في ذلك إلى أن الأهداف الرئيسية للمالية العامة تدور حول تعزيز النمو الاقتصادي. وتشجيع استخدام الموارد بكفاءة وفعالية، وبالتالي يتمثل التحدي الذي يواجهها في ضمان مستوى من الإنفاق العام يتسق مع الاستقرار الاقتصادي الكلي، ثم تجرى بعد ذلك هيكلة الإنفاق كجزء من الإجراءات التنفيذية للسياسة المالية، لذلك فإن هيكل الإنفاق العام لا حجمه هو المهم.

فعلى الرغم من التحسينات التي دخلت على السياسة المالية إلا أنها لم تؤد إلى زيادات الإيرادات العامة للدولة، بل على العكس نلحظ أن الإيرادات العامة للناتج المحلي قد انخفضت من 24٫5% عام 2005/2006 إلى 19% عام 2016/2017. وكما هو معروف فإن هذه الإيرادات تأتي من الضرائب والمنح والإيرادات الأخرى، مع ملاحظة أن هناك تراجعا هيكليا في مساهمة عناصر الإيرادات الأخرى (والتي تأتي أساسا من أرباح الشركات والبنوك العامة والهيئات الاقتصادية وغيرها) وهنا نلحظ أن الأرباح المحولة للموازنة العامة من هذه الكيانات قد ارتفعت من 41٫3 مليار جنيه عام 2010/2011 إلى نحو71 مليارا عام 2016/2017 بينما زادات الإيرادات العامة ككل من 265٫3 مليارا إلى 659 مليارا وبالتالي انخفضت نسبتها من 15% إلى 10% من إجمالى الإيرادات كما تشير الإحصاءات الختامية إلى أن إجمالي ما آل إلى الخزانة العامة من الهيئات الاقتصادية قد وصل إلى 88٫4 مليار جنيه في ختامي 2015/2016 وفي المقابل ارتفع إجمالي ما أتاحته الخزانة العامة للدولة لهذه الكيانات (سواء كان في صورة دعم أو مساهمات) بلغ 143 مليار خلال نفس الفترة ليرتفع صافي العلاقة بينهما بالسالب إلى 67٫5 مليار. مع ملاحظة أن معظم ما يؤول للخزانة يأتي أساسا من البنك المركزي وهيئة البترول وقناة السويس.

وفي هذا السياق يأتي الحديث عن السياسة الضريبية، وهنا يصبح التساؤل هل وصل المجتمع إلى طاقته القصوى من الإيرادات العامة، خاصة الضريبية، أم أن المستوى الحالي مازال به الكثير من القصور؟ وهل هناك إمكانية لدى صانع القرار المالي للتحرك على هذا الجانب؟ فمن المعروف أن السياسة المالية ترتبط بعاملين أساسيين هما الموارد المتاحة للمجتمع، والكيفية التى يتم بها استخدام هذه الموارد. وبالتالي يطالب الخبراء باستخدام الأداة الضريبية بطريقة سليمة تمكنها من إيجاد حيز مالي عن طريق توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين الإدارة الضريبية. وهنا تشير الإحصاءات إلى الانخفاض الكبير في مساهمة الضرائب في الاقتصاد القومي والضعف الشديد في الطاقة الضريبة حيث هبطت نسبتها إلى الناتج المحلى الإجمالي من 15٫8% إلى 13٫4% وإلى 13٫5% خلال نفس الفترة وهو ما يرجع إلى العديد من الأسباب يأتي على رأسها ضعف الجهد الضريبي. وهي المسألة التي يجب أن نتوقف عندها كثيرا لمعرفة أسبابها وسبل العلاج باعتبارها مربط الفرس في هذه المسألة المهمة. وهنا يفرق الاقتصاديون بين الطاقة الضريبية الممكنة والطاقة الفعلية والفرق بينهما يعبر عن قدرة الدولة على توسيع المجتمع الضريبي دون إحداث آثار اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية سلبية لا يمكن تحملها، وتتوقف هذه المسألة على عدة عناصر أساسية منها مستوى النمو الاقتصادي، ونمط توزيع الدخول في المجتمع، وإنتاجية الإنفاق العام. وقدرة الأجهزة الإدارية الحكومية على تحصيل الضرائب. وبالتالي فإن البحث عن الطاقة الضريبية الممكنة يجب أن يتم وفقا للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة، بحيث يتمكن المجتمع من تحقيق إيرادات ضريبية أكثر دون التأثير على معدلات النمو الاقتصادي ومعدلات الاستثمار.

جريدة الأهرام

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *