«إن مصر واجهت خلال السنوات الماضية تحديًا ربما يكون من أخطر التحديات التي فرضت على الدولة في تاريخها الحديث، فقد تعرضت لنحو 21 ألف شائعة خلال ثلاثة أشهر فقط»، يعد هذا التصريح الذي جاء على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء الاحتفالات بتخريج دفعات جديدة من الكليات العسكرية بمثابة ناقوس الخطر لما يتعرض له المجتمع المصري حاليًا من مخاطر تهدف إلى هدم النسيج الاجتماعي والوطني عبر نشر الشائعات وترويج الأكاذيب بهدف خلق البلبلة والإحباط لدى أفراد المجتمع، وقد لخص لنا المفكر الاقتصادي الشهير بول كروجمان هذا الوضع قائلًا: الحقيقة لا تنتشر دائمًا، حيث إن المشعوذين والجهلاء يملكون القدرة على جعل الناس يصدقونهم من الناحية الظاهرية، وغالبًا ما تكون لديهم القدرة على إقناع الأفراد بأنهم مثال للحكمة. وهي مقولة صحيحة تمامًا، حيث ينتشر عبر الإعلام، المسموع والمرئي والمقروء، العشرات من الأفراد الذين يفتون في العديد من الأمور دون أدنى معرفة بالمبادئ الأساسية لها، وقد انتشرت هذه الظاهرة بشدة مع الزيادة الكبيرة في البرامج الحوارية ووسائل الإعلام الجديدة مثل شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها، مما يساعد في انتشار الشائعات والبلبلة وإحداث الفوضى. وكلنا نذكر حديث الأرقام الذي دار عقب ثورة 25 يناير والمليارات التي قيل إنها ستوزع على الشعب، والتي تزامنت مع الحديث عن الصناديق والحسابات الخاصة، وأشار البعض إلى انها تمتلك 1300 مليار جنيه أي ضعف الموازنة العامة للدولة آنذاك، وهو رقم لا علاقة له بالواقع من قريب أو بعيد، وللأسف مازال البعض يعتقد بصحته حتى الآن، وهنا مكمن الخطورة إذ أن الحديث الدائم والمستمر ببيانات ومعلومات خاطئة يخلق جوًا من عدم الثقة وانعدام اليقين في أي إجراءات أو سياسات أو مؤشرات يمكن أن يعتمد عليها الأفراد، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إفساد المناخ العام طالما أن الأمور ضبابية وغير واضحة، وللأسف التعامل مع المشكلة يشوبه العديد من النقص والأخطاء يبرز أولها في التركيز على الشائعات المتعلقة بعمل الوزارت أو شخص الوزير فقط وترك باقي الشائعات الأخرى دون رد، ذلك على الرغم من أن الشائعة ليست فقط ترديد مقولة خاطئة، ولكن هناك طرقًا أخرى للشائعات لاتقل خطورة مثل اجتزاء الكلام من سياقه العام، أو أخذ جزء من تصريح المسئول دون استكماله عملًا بمنهج لاتقربوا الصلاة!
وهناك العديد من العوامل التي ساعدت على ذلك منها عدم تحديث المواقع الإلكترونية لمعظم الوزارات بل واعتبارها مجرد نشرة يومية لتحركات الوزير دون الاهتمام بعمل الوزارة والأمور المرتبطة بها، فمثلًا مازال أحد مواقع وزارة مهمة ينشر القانون رقم 18 لسنة 2015 باعتباره قانون الخدمة المدنية رغم إلغائه وصدور القانون رقم 81 لسنة 2016.
يضاف إلى ذلك أنه وعلى الرغم من المجهود الإيجابي الذي يقوم به مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء في الرد على بعض الشائعات إلا أنه يشوبه العديد من المشكلات، أهمها التركيز على الشائعات التي تخص الوزارات دون غيرها، فضلًا عن التأخر في الرد، حيث يقوم المركز بتجميع الشائعات على مدى الأسبوع والرد عليها في تقرير واحد وهو ما يفقدها الهدف الأساسي منها، بل وربما تؤدي للعكس، حيث يتم الرد بعدما تكون الشائعة ماتت فيعيد التقرير إحياءها من جديد، وهذا يرجع إلى الخلط بين دور المركز والمتحدث الإعلامي للوزارة، وبعبارة أخرى ينبغي أن يتصدى المركز للشائعات على الصعيد القومي والتي تمس الحياة اليومية والمعيشية للأفراد، ويترك الأمور الأخرى للوزارة المعنية وهو مايتطلب بدوره تقوية المكاتب الإعلامية بالوزارات واختيار متحدث إعلامي ملم تمامًا بأعمال الوزارة المعنية وعلى دراية كاملة وواسعة بالأحداث والتطورات داخل الوزارة وخارجها، وامتلاكه أدوات التواصل الاجتماعي والسياسي مع مختلف الأطراف.
ومن الإنصاف القول إن هناك حركة كبيرة في نشر البيانات ودقتها بصورة ملحوظة للغاية وذلك بفضل المجهودات التي يقوم بها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في سبيل تطوير نشراته لتحقق أعلى درجة من الجودة والثقة، كذلك التقارير الشهرية التي تصدرها وزارة المالية وتلك الصادرة عن البنك المركزي المصري. ولهذا تكمن المشكلة بالأساس في عدم الرجوع إلى المصادر الأساسية محل الحديث والارتكان إلى مصادر ثانوية وضعيفة.
مما سبق يتضح لنا ضرورة وأهمية الإسراع بإصدار قانون حرية المعلومات، تنفيذًا للاستحقاق الدستوري من جهة ولأهميته في المجتمع من جهة أخرى، يتيح الفرصة كاملة للحصول على البيانات والمعلومات الصحيحة مع مراعاة التوازن الدقيق بين حرية تداول المعلومات والأمور المرتبطة بالأمن القومي للدولة، أو لصون صحة الأفراد وحقوقهم مع ضمان توافر المعلومات الدقيقة في مواقيتها، وإفساح المجال أمام الجميع للاطلاع على المعلومات الضرورية والموثقة، على أن تنشر بعلنية ودورية من أجل توسيع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة ومحاصرة الفساد من جهة، والمساعدة على اتخاذ القرارات الصالحة في السياسة العامة من جهة أخرى. إذ إن المبدأ الأساسي الذي يجب أن يشيع هو حق المواطن في الحصول على المعلومات التي يطلبها، وبالمثل يعد حجب المعلومات عن المواطنين من الجرائم التي يعاقب عليها القانون. وينطبق هذا الحق على جميع المعلومات المتوافرة لدى المؤسسات العامة والخاصة، وكذلك الهيئات والشركات. ويجب أن تضمن الدولة النشر الواسع للمعلومات وإتاحتها للجميع، دون تفرقة، بجميع الوسائل الممكنة (مثل التوسع في النشر الإلكتروني أو النشر الإعلامي أو غيرهما من الوسائل) بحيث يصبح الأصل هو الإتاحة. على أن يكون النشر في صيغ مبسطة يسهل فهمها للجميع. وهو ما يتطلب قيام الجهات المعنية بنشر جميع المعلومات الأساسية الخاصة بالعمل والقوانين واللوائح المنظمة لها، وكذلك الأوضاع المالية والخدمات التي تقدم للجمهور وسبل الحصول عليها وتكلفتها المالية، إن وجدت. ويجب ألا تقف التكلفة حائلًا دون حصول الأفراد على المعلومات، فالأصل هنا هو الحق في الحصول على المعلومة بالمجان، أو بتكلفة محدودة للغاية مثل تكاليف تصوير المستندات، شريطة ألا تتجاوز مبلغًا محددًا من المال. مع ضرورة أن تخضع المعلومات إلى مراجعة دورية كي تأخذ بعين الاعتبار التغييرات في طبيعة المعلومة المحتفظ بها. جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري