عبد الفتاح الجبالي … الأجر المكمل وأجور الموظفين

من أهم المشكلات التي يعاني منها المجتمع المصري عموما والسياسة الاقتصادية على وجه الخصوص هي عدم استكمال البرامج الإصلاحية، فمع أولى بوادر لنتائج طيبة يتم إهمال بقية عناصر الإصلاح، وهي سمة تميز الافراد والمجتمع ككل، فبمجرد أن يشعر المريض بالتحسن في حالته الصحية يتوقف فورا عن استكمال الجرعة الدوائية الموصوفة له، غير مدرك للآثار السلبية الناجمة عن ذلك، وينطبق نفس الوضع تماما على الاقتصاد المصري وهو ما يظهر بشدة من خلال القراءة المتأنية للتاريخ، فبعد تنفيذ الجزء الأول من الخطة الخمسية في ستينيات القرن الماضي لم يتم استكمالها كما كان مخططا، وكذلك برنامج الإصلاح الذي تم تطبيقه في بدايات التسعينيات من القرن الماضي أيضا، فمع انتهاء المرحلة الأولى منه لم يتم تطبيق المرحلة الثانية والأهم في البرنامج، وغيرهما الكثير وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الإصلاح الجزئي يؤدي إلى زيادة فرص التربح الاقتصادي لدى البعض من أصحاب المصالح الخاصة، والتزاوج بين السلطة والثروة، مما يعوق الانطلاق إلى الإصلاح الشامل. وهو ما يؤدي بدوره إلى إضعاف مساندة الجمهور لجهود الإصلاح، والحصول على رضاء الأفراد.

وهذه المسألة تنطبق بشدة على الإصلاح الإداري الذي تم بمقتضى قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 خاصة فيما يتعلق بهيكل الأجور حيث تم تغيير النظام تغييرا جذريا بحيث أصبحت الأجور الأساسية هي النسبة العظمى من إجمالي الأجر وتم تغيير المسمى ليصبح الحديث عن الأجر الوظيفي والذي يساوي الأجر الأساسي للموظف في 30/6/2015 متضمنا العلاوات الخاصة المضمومة وغير المضمومة، والعلاوة الاجتماعية الموحدة والإضافية ومنحة عيد العمال وعلاوة الحد الأدنى وما يعادل نسبة 100% من الأجر الأساسي. ووفقا لهذه الحسبة أصبح الأجر الوظيفي يشكل نسبة لا بأس بها من إجمالي الأجر، وبالتالي تم التعامل مع الاختلال الأساسي في هيكل الأجور. وفي إطار العمل على عدم تضرر الموظف من النظام الجديد تم الحفاظ على باقي ما يصرف له وسمي بالأجر المكمل (مادة 74) وهو جميع ما يصرف للموظف، في 30/6/2015 بخلاف ما ورد بالأجر الوظيفي، ويشمل المكافآت بأنواعها والحوافز بأنواعها والبدلات بأنواعها بذات القواعد والشروط، بعد تحويلها من نسب مئوية مرتبطة بالأجر الأساسي إلى فئات مالية مقطوعة.

ولم يقم النظام بتثبيت هذه الحوافز والمكافآت على الإطلاق، ولكنه حولها من نسب مرتبطة بالأجر الأساسي إلى أرقام مطلقة، وذلك لسببين أولهما إن مفهوم الأجر الأساسي قد تم استبداله بالأجر الوظيفي، وثانيهما إن الأجر الوظيفي قد أصبح يشكل نسبة كبيرة من الإجمالي وليس 17% كما كان من قبل، وبالتالي استحالة إعطاء نفس النسب على أرقام تمت مضاعفاتها عدة مرات. مع ملاحظة أن التحويل إلى أرقام مطلقة لا يخفض الأجر المكمل نهائيا، ولا يثبته. ولكنه يسهم إلى حد بعيد في تنظيم الرواتب والأجور للدرجات الوظيفية بمختلف الوزارات والجهات العامة ليحد من تفاوتها بين جهة وأخرى. نظرا لأن بعض الجهات كانت تحصل على حافز يصل إلى 1500% من الأجر الأساسي، بينما لم تكن الجهات الأخرى تزيد على 400% فقط، رغم قيامها بنفس العمل تقريبا، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين العاملين في الجهات المختلفة بصورة كبيرة وازدياد عدم العدالة الاجتماعية، ومطالبة الكافة بالحد من هذه التفاوتات. الأمر الذي استوجب معه الأخذ بالعديد من الاعتبارات منها مراعاة التدرج الوظيفي بين الدرجات الوظيفية، والحفاظ على الأقدميات داخل الدرجة الوظيفية الواحدة. وتقليل الفروق بين الجهات الداخلة في القانون وبعضها البعض، وكذلك بين المستويات الوظيفية المختلفة. لكل هذه الأسباب جاءت المادة 41 من القانون لتضع نظاما واحدا للأجر المكمل يراعي طبيعة عمل الوحدة ونوعية الوظائف بها وطبيعة اختصاصاتها ومعدلات أداء موظفيها، بناء على عرض الوزير المختص وبعد موافقة وزارة المالية ودراسة الجهاز وكان من المفترض أن تقوم الجهات المختلفة بوضع تصوراتها للأجر المكمل وعرضه على وزارتي المالية والتخطيط تمهيدا لإقراره من مجلس الوزراء وهو مالم يتم إلا في عدد محدود للغاية من هذه الوحدات، ولذلك شعر البعض بنقص فيما كان يحصل عليه من دخول ولا ندري أسباب التقاعس عن هذه المسألة حتى الآن.

وظهرت مشكلة أخرى تتعلق بغير الخاضعين لقانون الخدمة المدنية، حيث يخضع بعض العاملين بأجهزة الدولة (الجهاز الإداري والهيئات الخدمية والمحليات) وعددهم 2٫5 مليون موظف بنسبة 47% من الإجمالي، والبعض غير مخاطب بالخدمة المدنية وعددهم 2٫9 مليون (بنسبة 53% من الإجمالي) ناهيك عن العاملين بالهيئات الاقتصادية والوحدات العامة وهنا تظهر المشكلة، فالعاملون وفقا لهذا القانون يحصلون على علاوة دورية 7% من الأجر الوظيفي، بينما يحصل غير المخاطبين على علاوة دورية لا تزيد على 6٫5 جنيه شهريا ومما زاد من تعقيد الموقف ما نصت عليه المادة الخامسة من القانون رقم 16 لسنة 2017 القاضي بمنح علاوة خاصة للعاملين بالدولة من غير المخاطبين بالخدمة المدنية، والتي بمقتضاها تم تحويل الحوافز والبدلات والمكافآت وغيرها من بنود الأجر المتغير إلى فئات مالية مقطوعة وليست نسبا من الأجر الأساسي، ومع تسليمنا الكامل بعدالة هذا التوجه تماما إلا أن المشكلة تكمن في أن هذه الجهات لم تضع حتى الآن سياستها للأجر المكمل، ومن ثم أصبحوا لا يحصلون إلا على هذه العلاوة الضئيلة للغاية الأمر الذي دفع بالحكومة للتدخل بإقرار قانون العلاوة المشار اليه آنفا وكذلك إصدار القانون رقم 79 لسنة 2017 بتحديد الحد الأدنى للعلاوة الدورية المقررة بقانون الخدمة المدنية، وهو ما سيحدث سنويا مع إقرار مشروع الموازنة ما لم يتم إدخال التصحيحات الهيكلية في النظام الحالي حتى تؤتي سياسة الإصلاح ثمارها كاملة ولا يتضرر الموظف العام، وهنا أيضا تبرز مشكلة ثالثة تتعلق بالمعاملة الضريبية لكل منهما إذ أنه وبمقتضى الخدمة المدنية تم ضم كل من العلاوات الاجتماعية والعلاوات الخاصة والبدلات المعفاة بقوانين خاصة.. إلخ. إلى الأجر الوظيفي، وبالتالي إلغاء الإعفاء الذي كانت تتمتع به، وأصبحت ضمن الوعاء الضريبي الأمر الذي أدى إلى أن يدفع هؤلاء ضرائب أكثر من زملائهم غير الخاضعين، كل هذه المشكلات وغيرها تتطلب سرعة التحرك نحو استكمال الإصلاح الذي جاء به قانون الخدمة المدنية وعلاج الأوضاع سالفة الذكر حتى تؤتي السياسة ثمارها ونتلافى الآثار السلبية الحالية.

جريدة الأهرام

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *