عبد الفتاح الجبالي السياسة الجمركية بين الصناعة الوطنية والمستهلك المصري (2)

أشرنا في المقال السابق إلى أهم التطورات والتغييرات في البيئة التجارية الدولية والإقليمية وآثارها المختلفة على حركة التجارة المصرية، بغية الوقوف على أهم سماتها والمشكلات المترتبة عليها وذلك لمعرفة كيف تعامل معها مشروع قانون الجمارك الجديد المطروح للنقاش المجتمعي في هذا السياق نعرج إلى دراسة السياسة التجارية المصرية خلال الفترة الماضية، واهم ما لحق بها من تغيرات وعلى رأسها هيكل التعريفة الجمركية، والذي يشهد تغييرات أساسية، فبينما حرصت الحكومات المتعاقبة خلال الأعوام 2004 و2007 و2009 و2013 على تخفيض الحدود القصوى للضريبة الجمركية والتي تمثلت في خفض الحدود العليا للتعريفة من 160% إلى 30%، مع استثناء بعض السلع التي تتعارض مع الاعتبارات الدينية والقيمية والصحية والاقتصادية مثل الكحوليات والسجائر والسيارات أكثر من 1500 سم3، وتخفيض المتوسط العام المرجح للتعريفة، جنبا إلى جنب مع خفض عدد فئاتها من (27) فئة إلى (6) فئات فقط. وذلك لتبسيط هيكل الضريبة الجمركية ولتحقيق المزيد من الشفافية والحد من المنازعات التي تنتج عن كثرة فئات التعريفة وتفادي حالات الاجتهاد الشخصي من جانب العاملين بالجمارك. وعلى العكس من ذلك، جاءت التعريفات الجمركية منذ مارس 2013 وحتى الآن لترفع من معدلات التعريفة بصورة كبيرة.

ولذلك هبط المتوسط العام للتعريفة من 20% عام 2005 الى 16.5% عام 2012 ثم عاود الارتفاع الى 17.6% عام 2016 و19% عام 2017 وبعبارة أخرى فقد أصبحت أداة للجباية أكثر منها وظيفة أخرى لذلك ارتفعت الإيرادات الجمركية من 17.7 مليار جنيه عام 2013/2014 إلى 34.3 مليار عام 2016/2017 وتقدر في موازنة العام الحالي بنحو 45.3 مليار جنيه وكذلك ارتفعت ضريبة القيمة المضافة على السلع المستوردة من29 مليارا إلى 62 مليارا وتقدر بنحو 119 مليارا في موازنة العام الحالي وعلى الجانب الآخر توسعت الحكومات المتعاقبة كثيرا في سياسة الإعفاءات الجمركية المطبقة وفقا للقانون رقم 186 لسنة 1986 سواء من حيث الجهات أو الأنشطة التي تستحق الإعفاء الجمركي حيث شملت الآلات والمعدات ووسائل النقل لإنشاء مشروعات التعمير واستصلاح الأراضي، وكذلك قطاع البترول ناهيك عن الأسواق الحرة والسياحة رغم عدم جدوى هذه المسالة.

والأهم إن القانون قد فتح الباب على مصراعيه بالفقرة الخامسة من المادة الثالثة والتي تمنح البعض صلاحيات في تقرير الإعفاء لبعض السلع. فضلا عن الإعفاءات الخاصة بالاتفاقيات التجارية الموقعة من جانب الحكومة المصرية سواء كانت جماعية أو ثنائية مثل الكوميسا والدول العربية. الخ.

كذلك اتساع عمليات التهريب للسلع الواردة إلى مصر بشتى الطرق والسبل مع استخدام البعض للنظم المعمول بها في هذا الهدف مثل نظام الإفراج المؤقت أو المناطق الحرة العامة والخاصة وغيرهما. ناهيك عن تقاعس المصلحة عن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لتحصيل الرسوم والضرائب الجمركية المستحقة على بعض السيارات المفرج عنها مؤقتا برسم إعادة التصدير بضمان بعض السفارات او الوزارات أو الهيئات أو بضمان دفاتر المرور الدولية من نوادي السيارات، والتي انتهت صلاحية تسييرها داخل البلاد، ولم يتم إعادة تصديرها وفقا للقانون، ناهيك عن استخدام السيارات المعفاة أو منخفضة الجمارك في غير الأغراض المخصصة لها، والتصرف فيها بطرق احتيالية قبل فترة انتهاء مدة الحظر الجمركي. ومثال ذلك السيارات الفارهة التي تجوب البلاد طولا وعرضا وتحمل لافتة سياحة وتستخدم في غير ذلك، ناهيك عن التلاعب في الفواتير وغيرها مما يساعد على دخول منتجات رديئة الجودة وغير مطابقة للمواصفات الصحية والبيئة مما يضر بالمستهلك والصناعة الوطنية والاقتصاد القومي ككل.

هذه الأمور تؤكد عدم انتهاج سياسة جمركية متسقة ومتكافئة بين الخدمات اللازمة للصناعات الوطنية ومستلزمات الإنتاج المستوردة وبين المواد والسلع تامة الصنع الأجنبية، إذ ظلت التعريفة الجمركية تتسم بتحيز واضح إلى جانب المنتجات تامة الصنع على حساب مستلزمات الإنتاج وقطع الغيار والأمثلة على ذلك عديدة ومتنوعة حتى في التعريفة الاخيرة وذلك على العكس من المعمول به في البلدان الصناعية الكبرى حيث تتدرج التعريفة في التصاعد وفقا لمستويات التصنيع ولا ينبغي أن يتشدق البعض بحرية التجارة لأنها شعار يرفع لخدمة الدول المتقدمة والشركات المتعددة الجنسية فقط، فعند الضرورة يلجأون إلى الإجراءات الحمائية لمعالجة العجز التجاري.

وهنا نأتي إلى جوهر المشكلة وهو لماذا رغم كل هذه السياسة الحمائية لم تتطور الصناعة المصرية وكذلك لم تهبط الأسعار؟ وهما الهدفان الأساسيان للسياسة الجمركية ويمكننا إعزاء السبب في ذلك إلى عدم توافر العديد من العناصر الأساسية التي تحقق هذه الأهداف، يأتي على رأسها وجود جهاز إنتاجي متنوع وقادر على الإحلال محل الواردات التي سيتم التحكم فيها وكذلك سهولة وإمكانية الانتقال لعناصر الإنتاج بين القطاعات الاقتصادية وبعضها البعض لكي تنتج المزيد من هذه السلع وتكون قادرة على المنافسة الدولية، بما في ذلك جودة الإنتاج، وأيضا يستطيع سد حاجة الطلب المحلي كما يتطلب أن تكون السوق المحلية على أعلى درجة من التنافسية حتى لا يتعرض المستهلك لسيطرة القلة من المحتكرين على الأسواق، كما هو الحال في الواقع المصري المعاش، وبالتالي تؤدي إلى وقوع المستهلك أسيرا في يد هؤلاء ومن ثم المزيد من ارتفاع الأسعار أو الحصول على المنتج غير الجيد، خاصة أن الاعتماد على رفع الأسعار وحده، للحد من الواردات يؤدي عند مستوى معين، إلى الاستمرار في الاستيراد، مما يترتب عليه، أما ارتفاع تكلفة الإنتاج، أو انخفاض حجم الإنتاج وتدهور الطاقة الإنتاجية، لأن جانبا كبيرا من الواردات يمثل مدخلات لإنتاج سلع صناعية وقطع غيار للآلات والمعدات، ويعني نقص المعروض منها عدم تشغيل المصانع بطاقتها وظهور طاقة إنتاجية معطلة.

وذلك بسبب خصوصية الحالة المصرية، التي تتميز بارتفاع المكون الأجنبي في الإنتاج المحلي والاعتماد الشديد على الواردات في تلبية الطلب المحلي، الأمر الذي يؤدي إلى المزيد من الأضرار، في ظل استمرار العجز التجاري ويفضي إلى التدهور المستمر للعملة المحلية. وبالتالي يتطلب الأمر إعادة صياغة السياسة التجارية للبلاد بما يجعلها كفؤا لبناء قاعدة اقتصادية للنمو. وللأسف فإن المشروع الجديد لم يتعامل بالشكل المطلوب مع هذه القضايا.
الأهرام

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *