على المشاهدين.. السمع والطاعة ! – بقلم عبدالقادر شهيب

شكة قلم – 

قبل نحو تسعين عاماً مضت إخترع حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان مبدأ (السمع والطاعة) لتقوم عليه الجماعة … السمع والطاعة له بعد أن إختار لنفسه لقب المرشد ، وهو المبدأ الذى راق لكل أمير للجماعة جاء بعده، بعد أن خاض (الهضيبى) الذى تولى مسئولية الجماعة بعد مصرع  مؤسس الجماعة ، معركة من أجل فرض هذا المبدأ على كل الطامحين فى منصب المرشد، وأن يرثوا مكانة مؤسس الجماعة بين أعضائها .

أما عندما تمكن الإخوان من حكم البلاد عام 2012 سعوا الى تعميم هذا المبدأ على كل المصريين وليس على أعضاء جماعتهم فقط .. لذلك لم يكن غريباً أن يصدر الإخوانى مرسى بعد أن صار رئيساً للجمهورية ببضعة أشهر قليلة إعلاناً دستورياً منح نفسه فيه سلطات شبه إلهية يحظر فيه الطعن قانونياً وقضائياً على كل قراراته السابقة واللاحقة !.

ورغم أننا نجونا من هذا الحكم الفاشى المستبد لجماعة الإخوان ، لكن للأسف الشديد ، كما أفسدت تلك الجماعة حياتنا حينما أسست بمبدأ السمع والطاعة بشكل ممنهج ممارسة العنف فى مجتمعنا ، فإنها روجت خارجها أيضاً لهذا المبدأ الفاشى الذى اخترعه مؤسسها لتفسد أيضاً مستقبلنا ! .. لقد أصابت عدوى هذا المبدأ الفاشى الكثير من مؤسساتنا، خاصة وأنه مبدأ يروق لكل من يخاصمون الديمقراطية ويرفضون الحكم الرشيد ولا يقبلون بقيم إحترام الآخر ويسعوون دوماً لفرض رؤاهم وآرائهم وأفكارهم وحدهم على الآخرين .

غير أن أخطر مؤسسة أصيبت بعدوى (السمع والطاعة ) كانت هى المؤسسة الإعلامية فى البلاد .. رغم أن الإعلام المهنى الحقيقى يقوم على مبدأ مختلف ونقيض تماماً ، وهو تنوع الأفكار والرؤى والآراء مع الألتزام بسلامة وصحة المعلومات .. ولا يوجد فيه إحتكار للحقيقة أو إحتكار للصواب .. ولا توجيه متعسف وديماجوجى للرأى العام .. ولا تضليل له بالمعلومات الكاذبة والمغلوطة أو بتجزأة الحقيقة الذى يعد تشويهاً لها .. ولا نبذ للرأى الآخر .. ولا رفض أيضاً لتصحيح الخطأ إذا ما تعلق الأمر بالمعلومات ولا تكبر على الإعتذار عن إرتكاب أى خطأ مهنى .

فنحن الآن لدينا مجموعة من الإعلاميين تخلوا عن وظيفتهم الإعلامية وتجاوزوا مهمتهم المهنية وتحولوا إلى موجهين سياسيين وإجتماعيين وثقافيين للمشاهدين .. إنهم يفرضون رؤاهم وآرائهم ومواقفهم فرضاً على المشاهدين .. بل ويطلبون منهم ألا يسمعوا غيرهم وألا يصدقوا إلا كلامهم هم وحدهم دون سواهم .. وكأنهم إحتكروا الصواب والحقيقة .. هؤلاء الإعلاميون يطبقون مبدأ السمع والطاعة على المشاهدين .. والمثير إنهم يهاجمون الإخوان بسبب هذا المنهج الفاشى ويمارسون العمل به وهم يخاطبون المشاهدين !..

هؤلاء الإعلاميون بذلك لا يحترمون المشاهدين ويتعالون عليهم ويتعاملون معهم بوصفهم مجموعة من الأطفال الذين يحتاجون إلى توجيه ، بل وأحياناً يحتاجون إلى التحذير وربما أيضاً التوبيخ !

وقد نفسر ذلك بالخلل الذى أصاب منظومة القيم الإجتماعية فى مجتمعنا ، وأصابت من بينها قيماً مهمة مثل قبول التنوع والإختلاف الذى هو سر الحياة ، وإحترام الآخر المختلف دينياً واجتماعياً وعرقياً بل وسياسياً أيضاً ، وهو الأمر الذى فرغ قيمة أساسية مهمة هى قيمة المواطنة من جوهرها الحقيقى وهو المساواة بين الجميع رغم إختلاف إنتماءاتهم ومشاربهم وعقائدهم وجنسهم ولونهم ودينهم .. لكن بالنسبة للإعلام تحديداً فإن ثمة سبب اضافى خاص لتعالى بعض الإعلاميين على المشاهدين وسعيهم لفرض رؤاهم وآرائهم عليهم أو التعامل مع المشاهدين بمبدأ السمع والطاعة .. أى على المشاهدين أن يسمعوا ويطيعوا السيد المذيع !.. وهذا السبب يتمثل فى تراجع المهنية فى أداء إعلامنا .. فعندما أهدرت أسس المهنية إبتلى إعلامنا بكل الأمراض التى يعانى منها الآن وفى مقدمتها مرض التعالى على المشاهدين والمستمعين والقراء !

إن الإعتصام بأسس المهنية وحدها يمكننا من إنهاء ظاهرة (اعلاميو السمع والطاعة) ، بل وتنقذ إعلامنا من كل مشاكله وأمراضه وأزماته وتنهض به .. المهنية تفرض على الإعلامى أن يحترم المشاهد والمستمع وعلى الصحفى أن يحترم القارىء ، وأن يقدم كلاهما –الإعلامى والصحفى- للمشاهدين والمستمعين والقراء المعلومات الصائبة والسليمة ويترك له أن يختار ما يراه من رؤى وآراء وأفكار ومواقف .

بالمهنية نتخلص من ظاهرة إعلاميى السمع والطاعة .

 

بقلم عبدالقادر شهييب 

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *