“الحكمة بنت لها بيتًا.. شيدته على أعمدة سبعة” بهذه الآية من سفر الأمثال بالعهد القديم، استهل الكاتب الكبير ميلاد حنا كتابه “الأعمدة السبعة للشخصية المصرية” والذي تم اتخاذها رمزًا لمنتدى شباب العالم 2019 بمدينة السلام شرم الشيخ.
أثبتت التجارب التاريخية في دورة حياة الشعوب أن الأمم العريقة تحتاج أثناء اللحظات الفارقة في تاريخها، إلى مراجعة الذات والتأكيد على هويتها. وهذه الفكرة ظهرت واضحة في الدراسة المهمة للمؤرخ الفرنسي بروديل عن هوية فرنسا، لكن مصر تعتبر النموذج الأوضح في هذا الشأن نظرًا لتعدد ثقافاتها وعراقة حضاراتها التي مثلت العالم أجمع, والتي أثّرت بها مصر وأعطتها الصبغة المصرية أكثر مما أثّرت بها هذه الحضارات المتعاقبة عليها, بخلاف الحضارة الفرعونية ذات الأصل المصري.
يرى ميلاد حنا أن هناك أربعة أعمدة أساسية في الشخصية المصرية، ترتكز على التاريخ وهى: الفترة الفرعونية، الفترة اليونانية الرومانية، الفترة القبطية، العصر الإسلامي. وبالإضافة إلى ذلك، يرى ميلاد حنا أن هناك ثلاثة أعمدة ترتكز على الجغرافيا هي: البُعد العربي، البُعد الإفريقي، البُعد المتوسطي نسبةً إلى البحر المتوسط.
الفكرة الأساسية لأعمدة الشخصية المصرية السبع تنطلق فلسفتها من وحدة النسيج المجتمعي المصري، رغم تباينه واختلافه، وأهمية التركيز على عراقة تاريخه ومنطلقات شخصيته الأساسية والتي يجب أن يعرفها الشباب المصري ليدرك عراقة تاريخه وعظمته, ويدركها الشباب الغربي ليعلم نقاط الالتقاء والمساحات المشتركة بين العقلية المصرية والعقلية العالمية, انطلاقًا من تلك الرؤية كانت الدعوة إلى عقد جميع فعاليات منتدي شباب العالم تحت رمز الأعمدة السبعة للشخصية المصرية. حيث تتباين وتتنوع رسائل هذه الأعمدة لكنها تصب جميعها في عمق تكوين الدولة المصرية ونسيجها المتماسك عبر العصور والأزمنة وعلاقتها بالعالم أجمع الذي يتكون دوله من أحد هذه الأعمدة فقط. وبنظرة سريعة حول الأعمدة السبعة التي سيتعرف عليها شباب العالم يمكن توضيحها على النحو التالي:
– العمود الأول “الانتماء الفرعوني”: الانتماء الفرعوني هو أول الأعمدة التي تعتمد عليها الشخصية المصرية، حيث يفتخر المصريين بأول حضارات العالم التي كانت قائمة ومزدهرة بتفرُّد لا يوجد له مثيل حتى في وقتنا المعاصر, وله تفرد لا يوجد له مميز عالميًا شواهده وآثارة شامخة لوقتنا الحالي.
– العمود الثاني “الانتماء اليوناني الروماني”: يتمثل العمود الثاني للشخصية المصرية في الانتماء للعصر اليوناني والروماني، حيث أثرت حضارة اليونان وفلسفتها في الفكر المصري، وامتزجت الحضارة الفرعونية باليونانية خاصة بعد أن أصبحت مصر ولاية تابعة للإمبراطورية الرومانية، التي حاولت مزج الحضارتين وتتجلى أوجه ذلك التأثير في امتزاج الأبجدية الإغريقـــية مع اللغة المصرية القديمة.
– العمود الثالث “الانتماء القبطي”: الانتماء القبطي هو العمود الثالث في تكوين الشخصية المصرية, حيث تميز العصر القبطي بوجود المدرسة اللاهوتية العريقة بالإسكندرية، وقدمت مصر حضارة للعالم المسيحي، وكان صياغة قانون الإيمان المسيحي أبرز نتائجها.
– العمود الرابع “الانتماء الإسلامي” العمود الرابع للشخصية المصرية يعتمد على انتمائها الإسلامي، والذي أدرك من خلالها المصريون العلاقة الدينية المباشرة بين الإنسان وربه، وأن الإسلام لا يفرض عليهم قيودًا، بل يعطيهم مساحات من الحوار والتفاهم يمكنهم من خلاله الاحتفاظ بالعادات والطقوس المصرية الأصيلة التي لا تخالف تعاليمه السمحة.
– العمود الخامس “انتماء مصر العربي”: يتعلق العمود الخامس بالشخصية المصرية بانتماء مصر العربي، وكان سكان شبه الجزيرة على اتصال بشعب مصر منذ زمن يسبق عصر قيام الأسر الفرعونية، واللغة المصرية القديمة واللغة العربية تحملان نفس الأصل.
– العمود السادس “انتماء مصر للبحر المتوسط” : ينبثق العمود السادس للشخصية المصرية عن انتماء مصر الأصيل للبحر المتوسط، لأن أغلب الحضارات التي مرت على مصر جاءت عبر البحر المتوسط، وهي علاقة جدلية جعلت سكان الإسكندرية وبورسعيد أشبه بأهالي أثينا وجنوة ونابولي من حيث التكوين النفسي والعادات والتقاليد, إضافة إلى أن أغلب المنتمين لهذه الدول كانوا يعيشون في الإسكندرية وبورسعيد حال تواجدهم في مصر.
– العمود السابع “انتماء مصر الإفريقي”: يمثل البعد الإفريقي أهمية كبيرة للشخصية المصرية فعلى الرغم من انتماء مصر لمنطقة الشمال المختلفة ديموغرافيًا عن الجنوب إلا أن لمصر تاريخًا متأصلًا في القارة السمراء يمتد لآلاف السنين قديمًا وساهمت في تكوين الشخصية المصرية في كثير من الجوانب.
تلك المحاور التي يقوم عليها منتدي شباب العالم تتفق تمامًا مع رؤية وفلسفة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يعي تمامًا وحدة النسيج المجتمعي المصري، رغم تباينه واختلافه، وأهمية أن يدرك عراقة تاريخه في مرحلة إعادة صياغة الهوية المصرية لتعود كما كانت بعد عمليات الطمس التي تعرضت لها في الفترات السابقة، بالإضافة لإظهار المساحات المشتركة بين الفكر المصري والعالمي ليكون منتدى شباب العالم بحق ملتقى لشباب العالم وساحة للحوار وللمساحات المشتركة فكريًا ومهنيًا وسياسيًا وتاريخيًا.
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري