تأتي القمة السادسة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والرئيس عبدالفتاح السيسي في البيت الأبيض اليوم وسط ظروف صعبة وتطورات مهمة تفرض على الرئيسين الصراحة والشفافية الكاملة أملاً في أن يستكشف الرئيسان المسار الصحيح لعلاقة استراتيجية بين الولايات المتحدة ومصر، تخدم مصالح الشعبين المصري والأمريكي، وتُعزز العلاقات الأمريكية العربية بما يخدم أمن الشرق الأوسط واستقراره وسلامه، وتفتح الطريق لسلام عادل يفي بحقوق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة تعيش في أمن وسلام إلى جوار دولة إسرائيل في شراكة عادلة لا تفتئت على ثوابت السلام ومرجعياته القانونية الصحيحة، وتضمن للشعب السوري حلاً عادلاً ينهي أزمته الداخلية ويحافظ على استقلال إرادته، ويحفظ لسوريا وجهها العربي الذي يرفض كل صور الطائفية، ويمكن هذه الفسيفساء البشرية من الحفاظ على تنوعها الثقافي والبشري تحت مظلة الاعتراف بكل حقوق المواطنة للجميع دون تمييز في الجنس أو اللون أو العرق أو الدين، وتقلص تدخل إيران في الشأن العربي بعد أن أصبحت طهران أداة عدوان على العديد من الدول العربية، ابتداء من اليمن إلى لبنان وفلسطين وليبيا، مروراً بالمملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات، تستثمر في ذلك انتماء بعض المواطنين إلى الشيعة، تحاول تمزيق وحدة الدولة والتراب الوطني، وقبل ذلك جميعاً إقناع الولايات المتحدة بأهمية وضرورة أن تكون أكثر توازناً في موقعها من الصراع العربي الإسرائيلي، يدخل ضمن حقوقها الحفاظ على أمن حليفتها الاستراتيجية إسرائيل، لكن الحماية الأمريكية لا ينبغي أن تمتد لحماية الاحتلال الإسرائيلي للضفة والجولان ومزارع شبعا وكفر شوبا، لأن الأمم المتحدة أرست في قرارها 242 واحداً من أهم المبادئ التي ينبغي الحفاظ عليها، التي تحرم على المعتدي أن يجني ثمار عدوانه باحتلاله أراضي الآخرين، لأن في الحفاظ على هذه المبادئ حفاظ على الأمن والسلم الدوليين.. الرئيس ترامب أكد انحيازه لإسرائيل عندما أعلن بقرار منفرد أحادي الجانب لم يستشر فيه أيا من العرب القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وزاد الطين بلة بقراره الأخير الاعتراف بضم هضبة الجولان السورية إلى إسرائيل، وثمة ما يُشير إلى أنه يمكن أن يضم 60 في المائة من الضفة الغربية، الأراضي التي جرى تخصيصها للمستوطنات إلى إسرائيل، لكن الجميع يعرفون أيضاً أن هذه القرارات منعدمة الأثر قانوناً، لا تُغير شيئاً من الواقع، ولا ترتب حقوقاً جديدة، فضلاً عن أن من واجب مصر ومسئوليتها أن تصطف إلى جوار الحقيقة، فالرئيس السيسي يذهب إلى واشنطن عقب قمة تونس العربية التي حضرها حشد غير مسبوق من قادة العرب، والتي أكدت بوضوح قاطع رفضها قرار ضم الجولان، كما أكدت رفضها قرار القدس عاصمة لإسرائيل.
ومن المؤكد صدق المقولة الراسخة التي تؤكد صديقك من صدقك القول حتى وإن لم يسره القول الصادق، خاصة أن قرار ضم الجولان لإسرائيل يجعل سوريا أشد التصاقا بالموقف الإيراني في وقت تحتاج فيه سوريا إلى شجاعة القرار وشجاعة الاختيار، ورغم صعوبة مهمة الرئيس السيسي فالواضح للجميع أنه ليس هناك من طرف عربي مؤهل لحمل هذه الرسالة سوى الرئيس السيسي، خصوصاً أنه يذهب إلى واشنطن مرفوع الرأس والقامة، فضلاً عن أنه لا يحمل مشروعاً خاصاً أو أجندة تخصه، ولكنه يحمل تحذيراً عربياً من مغبة أن يخسر الأمريكيون صداقة العرب الذين يحرصون الآن على أهمية قيام سلام شامل وعادل في الشرق الأوسط، ويؤكدون استعدادهم لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل على أُسس عادلة ومتكافئة، ومن المؤكد أن زيارة الرئيس السيسي لن تُفاجئ واشنطن بجديد، لأنه مع دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة الأمريكية لا تنقطع المشاورات بين الدولتين، وقبل هذه الزيارة السابعة التقى وزير الخارجية سامح شكري في واشنطن مع وزير الخارجية الأمريكية بومبيو ومستشار الأمن القومى الأمريكي جون بولتون وكبار مساعدي الرئيس، حيث تم الاتفاق على جدول أعمال لقاء البيت الأبيض الذي تتصدره 4 ملفات رئيسية، القضية السورية بمضاعفاتها العديدة، ابتداء من ضم الجولان إلى تسوية الأزمة السورية، ومستقبل القضية الفلسطينية في ضوء إصرار إسرائيل على ضم 60 في المائة من أرض الضفة، والموقف المتفجر الآن في ليبيا بصراع حفتر والسراج على إنهاء دور الميليشيات التي تحكم معظم مدن الغرب الليبي.
ومن المؤكد أن مباحثات البيت الأبيض سوف تشمل تدخل إيران وتركيا السافر في الشأن العربي، لأن مصر لا ترى في محاولة تركيا إقامة منطقة عازلة شمال سوريا أكثر من أنها محاولة احتلال أراضِِ سورية، أما إيران فتغوص أياديها عبثاً بالأمن القومي العربي، وبالطبع سوف يكون لقضايا الشراكة الاستراتيجية مع مصر وتعميق علاقات البلدين، وتعزيز الاستثمارات الأمريكية في مشروعات التنمية المصرية محل اهتمام الرئيسين السيسي وترامب بعد النجاح الكبير الذي حققه الإصلاح الاقتصادي في مصر، والذي تعززه شهادات الأمم المتحدة ومؤسساتها وهيئاتها المتخصصة في مجالات التمويل والتصنيف الاقتصادي والتجارة الدولية وبعد التحسن الواضح الذي طرأ على مناخ الاستثمارات في مصر، وما من شك في أن المسار الطويل للعلاقات الأمريكية المصرية على امتداد السنوات الخمس الماضية قد أكد للأمريكيين قدرة مصر المتزايدة على أن تمسك بزمام المبادرة، وحرصها الواضح على معالجة المشكلات من جذورها دون الاكتفاء بظاهراتها العرضية وسعيها الدءوب لإقامة علاقة شراكة متكافئة تتسم بالندية والفهم العميق المتبادل لمصالح كل من الطرفين، وبالتالي سوف يكون لقضايا الشراكة الاستراتيجية وتعميقها النصيب الأكبر في جلسات القمة الثنائية بين الرئيسين السيسي وترامب، ويزيد من أهمية ذلك اقتناع إدارة الرئيس ترامب بأن مصر هي رمانة الميزان التي تضبط استقرار الشرق الأوسط، وتُعزز أمنه دون أن تنطوي أجندتها السياسية على الرغبة في الإضرار بمصالح أي دولة شقيقة أو صديقة، لأن هدف مصر الأسمى أن يعُم السلام الشرق الأوسط وأن تتفرغ شعوب المنطقة لتحسين جودة حياة إنسانها، وأن تنجح شعوب المنطقة في قهر التخلف والتطرف والإرهاب، وأراد الرئيس السيسي أن تكون زيارته للولايات المتحدة هذه المرة جزءاً من برنامج أوسع شمل زيارة عدد من الدول الإفريقية ضمت غينيا وكوت ديفوار والسنغال بما يؤكد أن العالم أوسع كثيراً من الولايات المتحدة، وأن مصالح الجنوب مع الجنوب ينبغي أن تحظى بالأولوية، وأن إفريقيا هي الحاضر والمستقبل، وأن تطابق المصالح مع الولايات المتحدة يمكن أن يكون صعباً ومتعذراً، لكن الخلاف معها مشروع، وربما يكون ضرورياً في بعض الحالات، إن أردنا تصحيح المسار بما يضمن الندية والتكافؤ، ومن المهم أن نعرف كيف نُدير هذا الخلاف بما يحول دون أن يصبح الخلاف صداماً، نقلل من مخاطره قدر ما نستطيع حفاظاً على مصالحنا، ونوسع نطاق التعاون إن لاحت فرص التعاون خاصة أن هناك تاريخاً مشتركاً من التعامل الناجح مع إدارة ترامب، فضلاً عن الكيمياء المشتركة التي تعزز علاقات الثقة المتبادلة بين الرئيسين، والدور الرئيسي الذي تلعبه مصر في الحرب على الإرهاب، والقدرة الذاتية المتنامية لمصر التي تملك ثامن جيش في العالم وحجم الإنجازات الهائلة الذي حققه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال فترة رئاسته الأولى، والدور الطليعي الذي تلعبه مصر في إقامة أخوة إنسانية صحيحة مع سائر العقائد والديانات، وتصحيح العلاقات بين أقباط مصر ومسلميها بما جعل الجميع جزءاً من العائلة المصرية، ويسبق كل ذلك حرص مصر الاستراتيجي على أمن الشرق الأوسط واستقراره وسلامه.
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري