كيف نجا الشيخ رفاعة من اللخبطة

إكتشف العلامة الجليل الشيخ رفاعة الطهطاوى أن العرب يعانون من “اللخبطة” بالنسبة لموضوع عفة النساء، لأن منشأ “العفة ” أو” اللخبطة” إنما يعود إلى التربية الجيدة أو الخسيسة وليس إلى السفور أو الاختلاط . وبعد تجربته الفريدة فى فرنسا فى بدايات القرن التاسع عشر يجد أن من واجبه كشيخ فى الأزهر وواعظ وإمام الدين للبعثة الدراسية التى ذهبت للعلم هناك أن ينبه أذهان المسلمين والعرب بصفة عامة إلى أن السفور لا يفضى بالتبعية والحتم إلى التبذل والخروج عن مقتضيات العفاف فقد شاهد الفرنسيين يحافظون مثلنا على “العرض” ويسمونه “شرفاً” ويقسمون به عند المهمات.

وبعد مائة وستين عاماً على رحلته الثرية وإسهاماته العظيمة فى مجالات العلم والدين ظهر فضيلة مفتى الديار المصرية الشيخ على جمعة في برنامجه الاعلامي التنويرى يتلقى اتصالات الجمهور وكانت فى غالبيتها من النساء وكان يجيب على أسئلتهن بأبوته المعهودة وأسلوبه المستنير بما يرد الطمأنينة إلى نفوسهن القلقة، وبصوت مضطرب خائف سألته أم مصرية شابة عن رأيه فيما فعله زوجها عندما مزق فى ثورة غضبه ثوب طفلته لأنه مكشوف الذراعين فسألها فضيلته :وكم عمر ابنتك التى مزق زوجك ثوبها؟ فأجابته :عمرها سنتان يا مولانا !! فرد عليها فى حسم : عليك بإصطحاب زوجك إلى طبيب نفسى ليعالجه !!
ثم قام فضيلته بالتنبيه إلى إنتشار أعداد هائلة من شرائط الكاسيت تزيد على مليون ونصف لشيوخ ودعاة وأدعياء دين يروجها ويتداولها الناس من العامة والبسطاء فتعيد تشكيل عقولهم على نحو مخرب للعقول والأرواح بل وللرؤية الدينية الصحيحة.
وتساءلنا أنا ومن كانوا يشاهدون البرنامج إلى أى مدى يمكن أن يسهم منتجى الشرائط المجهولة المصدر والمكشوفة الغرض فى إثراء الأطباء النفسيين ومراكمة هموم علماء الاجتماع !!

وعلينا أن نعترف كمثقفين أننا أسهمنا فى استشراء المرض الاجتماعى الذى دخل بالمصريين إلى مرحلته الحرجة، أولاً لأننا ظننا أنها مسألة تخصص فتركنا كل من رفع صوته بكلمات: قال الله وقال الرسول يتحدث كيفما شاء بدون محاسبة مباشرة من الأفاضل من “أهل الذكر” من جهة التخصص وهؤلاء كانوا يتحسسون كلماتهم وينتقون عباراتهم بحيث لا يجد فيها المواطن البسيط ضالته الروحية والفكرية بسهولة ويسر. وكذلك لم تتم مواجهة المخربين بقوة من قبل المفكرين وأهل العلم من منطلق الشعور بالمسئولية الوطنية تجاه ” العقل الجمعى” لمجتمعنا من أن تنفذ إليه الأفكار الهادمة فتفعل فعلها فى أذهان الناس، فالقداسة لا تقتصر على الحوار الديني ، وإنما للوطن قداسته التى ما كان ينبغى لنا أن نتهاون فى حمايته ليس من مناطق الحدود الجغرافية فقط وإنما – وهذا هو الأهم– من حيث ثقافته وعقله اللذان شهدت الدنيا لهما بالرقى والنهضة.
فى مقال للسسيولوجي ” آصف بيات” يؤكد أن “أن المد الناصرى فى الستينيات والذى إمتد تأثيره إلى شبه الجزيرة العربية وبقية أنحاء الوطن العربى، من المحيط إلى الخليج وإلى الدوائر الأبعد فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، قد أصاب الحكام بالفزع من أن تتزعزع العروش” .
فكان الرد المناسب حتي لا تتكرر الحركة الثورية مستقبلاً أن يكون الخطاب الوهابى هو المهيمن على الساحة السياسية، وهو الظهير الصحراوى المحاصر لكل فكر حداثي حضارى، تساعده فى ذلك ظروف الأزمة الاقتصادية التى دفعت بمئات الآلاف من المصريين إلى الهجرة طلباً لتحسين الأحوال المعيشية، دون أن يدركوا بالطبع أنهم يغادرون موقعهم “الثقافى الفاعل” الذى إحتلته الثقافة المصرية لآلاف السنين ليقيموا تحت الهيمنة الثقافية لثقافة البداوة التى إستطاعت بقوة المال والمقدس الثقافى البدوى أن تنفذ إلى عقول المهاجرين المصريين وقلوبهم ومنهم إلى عناصر”الضمير الجمعى” الذى طالما كنا نباهى الأمم بصلابته وإستحالة إختراقه.
ومن المذهل أن المجتمعات العربية التى كانت تتلهف على تقليد المصريين فى الزى والكلام وطريقة التفكير والروح الوطنية، إذا بها تتنكر فى يوم وليلة لكل ما كان بمجرد أن سمعت برحلة السادات للقدس فإنهالت على المصريين–برغم رفضهم لاتفاقية كامب ديفيد– باللوم والتقريع حتى بعد إغتيال السادات، وأصر هؤلاء على أن يدفع المصريون ثمناً باهظاً لإتفاقية السلام بإسقاطهم من مكانتهم السياسية والثقافية العليا، ليعتذروا عن شموخهم المعتاد وكبريائهم النبيل. وفى نفس الوقت كان الخوف من يقظة المارد المصرى- الذى طالما إغتر أعداؤه بمظهره الهادئ المسالم- يملأ قلب الصديق قبل العدو، ألا يمكن أن يهب المصريون كما فعلوا كثيراً فى الماضى من كل كبوة مهما بلغت قوتها لينهضوا نهضة تستعصى على التفسير ألم يتحولوا من ولاية عثمانية تابعة إلى أكبر إمبراطورية ضاربة فى الشرق هددت الآستانة نفسها فى مدى زمنى لا يزيد عن عشرين سنة ؟
وقد بدأ الاتجاه إلى استلاب المجتمع المصرى من منطقة ضعفه/قوته التى ينطلق منها المجتمع فى صياغة مشروعة للنهضة وهو المرأة، فإذا كانت نساء مصر فى الماضى القريب قد قدمن أروع النماذج فى العلم والترقى والفن والثقافة منذ تحررت من الزى التركى شكلاً ومن الوضع الاجتماعى المتدنى موضوعاً وربت شعباً طيب الأعراق، فانه يكفى أن ينجح أعداء المجتمع فى سرقة عقول نسائه حتى يضمنون إرتداد مصر إلى الوراء، وجاء الأمر تدريجياً بإعادة النظر فى مفهوم “الاحتشام “الذى فهمه الناس رجالاً ونساءاً فى مصرفهما عميقاً منذ قام مينا بتوحيد القطرين، وكنا أساتذة الدنيا فى تطبيق قواعد الأخلاق على حد قول بريستيد فى كتاب فجر الضمير، فإذا بالخطاب الجديد يقصر مفهوم الاحتشام على النساء دون الرجال وعلى الزى الخارجى دون العناية بالجوهر، ساهم فى هذا شحذ مستمر لثقافة (البحلقة) التى تسود المجتمعات التى ينشغل أفرادها بمراقبة الآخرين والتطلع المقتحم لخصوصياتهم، مما يتناقض مع التعاليم الإسلامية الراقية التى تأمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وبدأت الجماعات المتأسلمة فى إختبار قوة تأثيرها على جمهور النساء بالحث المستمر على إرتداء” الحجاب” الذى يكشف الوجه والكفين ولا يمنع المرأة من الحركة الاجتماعية للتعليم والعمل، فضلاً عن أنه لا يمثل مشكلة فى التواصل الاجتماعى ، وأنه يشبه الطرحة التقليدية التى كانت المرأة المسنة تعتاد إرتداءها عند التقدم فى العمر، فلم تجد بعض النساء غضاضة فى إرتدائه وبخاصة بعد أن صار الأزواج يعتبرونه علامة على تبعية الزوجة ، وهو أمر لم يكن يمثل قلقاً للنساء اللاتى حرصن على إرضاء الزوج، خاصة وأن السؤال الاجتماعى كان يطارد الفتيات : لمن تظهرين زينتك إن لم يكن لزوجك؟ وتدرج خطاب الاحتشام من الحجاب إلى “الخمار” الذى يغطى أكبر مساحة من جسد المرأة فوق الثياب كما كف المجتمع عن التسامح مع فتياته غير المحجبات واللاتى كن يرجئن التحجب إلى الزواج، وهبط السن الملائم للحجاب من الشباب إلى الطفولة، فأرغمت الصغيرات على إرتدائه مبكراً ليعتدنه، وبعد أن كان إرتداءه إختيارياً للصغيرات صار”إجبارياً” فى الفصل الدراسى ، وبعد أن كان الحجاب يتعايش مع السفور، صارت السافرات هن المسيحيات فى الأغلب.
وبقدر التشدد المتزايد مع النساء فى تطبيق الأوامر المتلاحقة بزيادة مساحة المختفى من الجسد، بقدر التسامح إن لم يكن” التحريض” للرجال على السيطرة على حركة الشارع فى اتجاه التخويف المستمر لفتياته، دون أن يتوقف أحد للسؤال : ألا يخجلنا كمجتمع إسلامى ذلك الاتهام المعلق على رؤوس رجالنا بأن عيونهم “تندب فيها رصاصة” وأنهم يمارسون بالعين ما يعجزون عن ممارسته بالفعل، وأن جماعات المتحرشين لم تظهر فى شوارعنا عندما كانت البنات يرتدين المينى جيب؟
وإذا كانت الكلمة المسموعة من العامة والدهماء هى لأصحاب الصرخات العالية فى الميكروفونات الصاخبة، ممن يفتقدون العلم الحقيقى بالدين، بينما تسد الغوغاء القلب والأذن عن حسن الاستماع للفاضلات الدكتورة زينب رضوان والدكتورة آمنة نصير والدكتورة سعاد صالح وعبلة الكحلاوى …الخ. اللواتى أفنين العمر فى تعلم الفقه وتعليمه مع المعتدلين من رجال الدين، فهل لنا إلا أن نذكر أننا قد تأخرنا حقاً حتى استفحلت الأزمة ونحن نهون من حجم الإهدار الذى تعانيه طاقتنا الإنتاجية .
أجل أن ذا يوم لمن يفتدى مصراً فمصر هى المحراب والجنة الكبرى.
ولله الأمر من قبل ومن بعد

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *