لماذا نكره الموت؟ بقلم صالح الصالحي

من منا لا يكره الموت؟..
أتصور أنه لا يوجد إنسان سواى يحب الموت ويتمناه.. بل إن ذكر كلمة الموت نفسها تفرض حالات مرتبطة بها مثل الحزن، واستدعاء آلام الفراق، وتذكر من رحلوا خاصة من نحبهم.. هذا باستثناء حالات فريدة في الموت مثل طلب الشهادة.. طالما أننا ميتون ميتون فنطلبها حتى وإن لم ننلها فنحصل على ثوابها.. لكن هذا ليس موضوعنا الذي نتحدث عنه.
نتحدث عن كره الإنسان للموت.. وأسباب ذلك.. هل لأن الحياة جميلة.. وبها السعادة؟ الإجابة طبعاً لا راحة في الدنيا.
فالإنسان يخاف من المجهول.. فما بالك من المصير والنهاية والمستقر الأبدي.
الإنسان يخشى الموت ويطمح في حياة مليئة بوسائل الراحة والترفيه والمتعة.. حتى وإن كانت قصيرة.. ويبتعد عن كل ما يقربه من الموت.. فيعتني بصحته ويأكل ويشرب كل مالذ وطاب.
هو الإنسان طماع يحب الراحة.. حتى وإن كانت صعبة المنال.. ويحب أن يحيا طويلاً متمتعا بالصحة والعافية.. ويبعد عن الشقاء وعن كل ما يعكر صفو حياته.
نخشى جميعاً الآخرة حتى وإن كنا متدينين، ونؤدي الفرائض الدينية الواجبة علينا من صلاة وصيام وزكاة.
لا أحد منا متأكد أهو من أهل الجنة أم من أهل النار.. كلنا بين يدي الله أيقبل أعمالنا أم لا.. ونطمع في رحمته الواسعة.. حتى وإن كنا مقصرين.. فلا أحد يدخل الجنة إلا بعفو الله ورحمته.. الله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان خلق في طبيعته غرائز وشهوات تختلف قوتها وضعفها من إنسان لآخر.. ولكنها جميعا تحرك الإنسان ليبقى على قيد الحياة.. فتراه يطلب الطعام والشراب والزواج ويعمر الكون ليبقى. وتبقى معه ذريته.. بل منا الكثير والكثير من يعمل لأبنائه وأحفاده من بعده.
ورغم حبنا للحياة وتعلقنا بحبالها.. إلا أننا لا ننسى موعدنا مع الموت أبدا.. فمنا من يشتري قبره ويشرف على بنائه وتوضيبه.. وكأنه سيحيا الحياة الأخرى فيه.. مثلما فعل أجدادنا الفراعنة.. ولا ننسى دائماً أن نوصي أبناءنا بمكان دفننا لنحشر مع من نحب.
ورغم إيماننا الشديد بالحياة والموت.. وخوفنا من الموت.. إلا أنه لا يغيب ذكره عن مجالسنا.. وإن نسينا الحديث عنه نرى حوادث الموت بأشكالها المختلفة سواء كانت الوفاة طبيعية أو في صورة حوادث تطل علينا من كل اتجاه.
وأيا كان السبب فهو الموت المحتوم.. هو نهاية الحياة الدنيا لننتقل للحياة الأبدية.. هو حديث الصباح والمساء.. على حد وصف أديبنا العظيم نجيب محفوظ.
ورغم قسوة الفراق ترى من حولك بعض الأشخاص الذين وصلوا من اليأس درجة طلبهم للموت.. البعض منهم يرى فيه مفرا من قسوة الحياة التي يعيشونها.. فتعدوا معها الرغبة في البقاء والاستمرار.. وهنا تبدأ أعضاء الجسم في إرسال الإشارات التي تطلب من المخ توقف عملها لتتوقف الحياة.. حتى إنني سألت احد أصدقائي من الأطباء عندما كنت في زيارة أحد أقاربي في العناية المركزة عن سر هذه الحالة.. فقال: من طول خبرتي في علاج المرضى أؤكد أن من يطلب الموت يهيئ جسمه لاستقباله ويموت فعلا والعكس صحيح.. وهؤلاء الأشخاص معذورون.. فقد تكون شدة آلامهم دفعتهم لطلب الموت أملا في الراحة.. لكن أن نرى بعض الشباب يطلب الموت ويسعى له.. هذا أمر غريب.. فإذا طلب الشاب الموت فمن أحق منه بالحياة والاستمتاع بها.. فهي خلقت من أجلهم ليأكلوا ويشربوا ويرقصوا ويلعبوا ويفعلوا كل ما يحلوا لهم بغير موانع من تقدموا في السن وأصيبوا بمحاذير الأمراض التي تمنعهم من هذا وذاك.
إن اليأس والإحباط حينما يتسرب لنفوس شبابنا فيكرهوا الحياة.. إنما مرجعه لنا نحن المسئولين عنهم.. حينما غبنا عن متابعتهم.. وتركناهم إما فريسة للانترنت ليلعبوا معه لعبة الموت وتنتهي حياتهم على يده.. أو مع الجماعات التكفيرية التي تكرههم في الحياة والعمل والبناء.. وتجندهم ليفخخوا أنفسهم في عمل إرهابي.. أوهموهم أن الجنة بانتظارهم.
الجنة يطولها من يعمل وينتج.. والله يحاسبنا علي أعمارنا فيما أفنيناها .. ولم تكن أبداً الجنة بالانتحار.
أفيقوا وعلموا أبناءكم أن رحلة الحياة يستحقها من يحياها بالعمل الذي يتوج بدخول الجنة.. فالحياة حق والموت حق.

جريدة الأخبار

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *