تتصاعد حدة الأزمة بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الفرنسي ماكرون وتزداد اتساعاً منذ أطلق ماكرون تصريحه بأن أوروبا في حاجة إلى بناء جيش أوروبي موحد يحمي أمنها، بعد أن بات من الصعوبة بمكان الاعتماد على الولايات المتحدة، يوم الاحتفال بمرور مائة عام على نهاية الحرب العالمية الأولى، التي رد عليها الرئيس الأمريكي ترامب مطالباً قادة أوروبا وبينهم فرنسا بأن يدفعوا أولاً حصتهم في موازنة حلف الناتو، وأن يكونوا أكثر عدلاً في تحمل مسئولياتهم في الدفاع عن أمن أوروبا، ورغم أن الرئيس الفرنسي حاول خلال لقائه الرئيس ترامب في قصر الإليزيه أن يخفف من وقع الأزمة إلى حد يقرب من الاعتذار، عندما أقر بأن تصريحاته سببت نوعاً من الإرباك، وأن على أوروبا بالفعل أن ترفع مساهماتها في موازنة الناتو، إلا أن الرئيس الأمريكي يصر على أن ما صدر عن الرئيس الفرنسي يمثل إهانة يصعب قبولها، وأن فرنسا شأنها شأن باقي الدول الأوروبية تحرص على أن تكون موازناتها العسكرية أقل من 2% من الدخل القومي، وعلى الولايات المتحدة أن تسد العجز في موازنة الدفاع عن أمن أوروبا. وفور عودته إلى الولايات المتحدة واصل ترامب حملته على الرئيس الفرنسي مؤكداً أن ماكرون يفقد شعبيته التى انخفضت داخل فرنسا إلى أقل من 36%، وأن البطالة ارتفعت فى عهده إلى حدود 10%، وفى تغريدة أخرى على تويتر اشتكى ترامب من السياسة الحمائية التي تتبعها فرنسا التي تفرض جمارك عالية على دخول النبيذ الأمريكى إلى فرنسا الذي لا يقل جودة عن النبيذ الفرنسي، ووعد ترامب برفع التعريفة الجمركية على دخول النبيذ الفرنسى إلى الأسواق الأمريكية، وزادت الأزمة اتساعاً بعد أن دخلت المستشارة الألمانية ميركل على الخط، تساند تصريحات الرئيس الفرنسي عن حاجة أوروبا إلى جيش وطنى يحفظ أمنها بعد أن بات من الصعب الاعتماد على الولايات المتحدة، وقالت ميركل في خطابها الأخير أمام البرلمان الأوروبى إن الزمن الذي كانت تعتمد فيه أوروبا في صون أمنها على أمريكا قد ولى وانتهى، وأن الجيش الأوروبى الواحد سوف يؤكد للعالم أجمع أن أوروبا لن تنقسم ولن يحارب بعضها بعضا.
والواضح أن الشروخ العميقة التي تباعد بين مصالح أمريكا والمصالح الأوروبية تزداد اتساعاً، وأن فرص ترميم هذه العلاقات تبدو شاحبة فى عهد الرئيس ترامب، خاصة مع اختلاف موقف الجانبين في قضية العقوبات الأمريكية على إيران، وتهديد أمريكا المستمر بفرض العقوبات على الشركات الأوروبية التى تواصل تعاملها مع إيران إلى حد أن الكثير من الأوروبيين يعتقدون أنه ما من حل لهذه المشكلات سوى الصبر إلى حين انتهاء فترة حكم ترامب الذى يبدو واضحاً أنه سوف يفوز بفترة حكم ثانية مهما اشتدت حملات نقاده وكارهيه، ورغم خسارة الجمهوريين مجلس النواب فإن التوقعات كلها تؤكد أن ترامب سوف يفوز بولاية ثانية، بسبب النجاحات الاقتصادية التى حققها، حيث هبطت معدلات البطالة إلى حدها الأدنى، ولعلها المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التى ينقسم فيها الأمريكيون بنسب متقاربة بين الذين يحبون ترامب، ويمكن أن يبلعوا له الزلط ويغفروا كل خطاياه ويبدوا سعادتهم بطريقته في الحكم التى يشوبها بعض العنصرية، وبين كارهيه الذين يحملونه مسئولية كل ما هو سلبي الآن فى الولايات المتحدة، ابتداء من انتشار جرائم الكراهية والقتل الجماعى فى المدارس والجامعات والأندية الليلية، فضلاً عن صور عديدة من التمييز العنصرى ومعاداة الهجرة القادمة من الخارج إلى حد حشد عشرات الآلاف من القوات المسلحة على حدود المكسيك قلقاً من قوافل المهاجرين عبر الحدود!
وثمة من يتهمون ترامب بأنه حرف تصريحات الرئيس الفرنسي الذي لم يقل أبداً إن واحدة من مهام الجيش الوطني الأوروبي هي حماية أمن أوروبا من العدوان المحتمل من الصين وروسيا والولايات المتحدة، الأمر الذي لم يحدث، والمدهش والغريب أن الرئيس الأمريكي هو أول من تحدث عن ضرورة أن تكف أوروبا عن الاعتماد على الولايات المتحدة في تحقيق أمنها، فلماذا يغضب إذن عندما تقول المستشارة الألمانية ميركل إن على أوروبا أن تمسك مصيرها بأيديها وليس بيد أخرى؟.
الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري