بعد وقت قليل من الإفراج عن مئات المعارضين من زعماء قبائل الأورومو الذي غمر إثيوبيا بموجة فرح غامر، أطلقت العديد من الاحتفالات في طول البلاد وعرضها، أعلن “هيلا ماريام ديسالين” رئيس الوزراء الإثيوبي استقالته من منصبه الحكومي، واستقالته كرئيس للحزب الحاكم بهدف التخفيف من حدة الأزمة التي تعتصر البلاد، إثر الاضطرابات الواسعة التي اجتاحت مناطق قبائل الأورومو احتجاجاً على تأخير الإفراج عن مئات المسجونين السياسيين الذين ينتمي معظمهم إلى الأورومو، أوسع القبائل انتشاراً في إثيوبيا، ويكاد يشكلون وحدهم ثلث تعداد البلاد، وتحيط مناطقهم بالعاصمة أديس أبابا، ويحتلون مساحات شاسعة من أراضي إثيوبيا التي تعود فيها ملكية الأرض إلى القبائل وليس الدولة.
وأكد” ديسالين “إنه سيبقى في منصبيه لحين اختيار رئيس حزب ورئيس وزراء جديد، وأنه استقال ليكون جزءاً من الجهود التي تبذل الآن لإيجاد حل دائم للأزمة الراهنة التب أدت إلى مآس وجراح دامية وإضرار جسيم بالممتلكات، مؤكداً ضرورة أن يكون الإصلاح شاملاً وديمقراطياً ينهي تهميش مصالح البعض ويعترف بحقوق المواطنة لجميع الإثيوبيين، وقبل يومين فقط من استقالة رئيس الوزراء” ديسالين” حذر السفير الأمريكي في أديس أبابا “ميشيل رينور” من بوادر قلاقل تهدد استقرار البلاد مطالباً الحكومة بسياسات أكثر انفتاحاً وحوار أكثر ديمقراطية لأن الناس تحتاج إلى حرية التعبير ومن حقهم أن يعبروا عن أنفسهم سلمياً وأن يثقوا في قدرتهم على أن يحققوا ذلك .
ورغم أن إثيوبيا تعتبر نفسها دولة ديمقراطية، لكن حزبها الحاكم الذي ينتمى معظمه إلى قبائل التجراي التي تشكل ٦ في المائة فقط من السكان يحوز مائة في المائة من مقاعد البرلمان، فضلاً عن كثرة الصراعات القبلية بين الأورومو الذين يشكلون الأغلبية والأمهرا الذين يشكلون ثاني أغلبية سكانية وقبائل التجراى الشمالية وقبائل الصومال بما يزيد من حدة الصراعات القبلية .
وينظر الجميع إلى رئيس الوزراء ديسالين على أنه راعى وحدة البلاد وضميرها العام, وربما لا يكون لديسالين سلطة ضخمة تمكنه من تنفيذ كل ما يريد ولكنه يمثل رمانة الميزان التي ترجح الرأي الأكثر قبولاً وإمكاناً خاصة مع وجود شخوص عديدين هم الأكثر نفوذاً وقوة داخل الجيش وداخل الجبهة الثورية الديمقراطية الحاكمة التي تعقد مؤتمرها العام هذا الشهر، ومع أن ديسالين لا يزال يشكل جزءاً مهماً من مستقبل إثيوبيا فإن هناك من يرون أن الجبهة تريد في هذه المرحلة العصيبة رئيس وزراء قويا بينما لا يملك ديسالين السلطة الكافية، فضلاً عن أن البعض يعتقد إنه فقد السيطرة على الشارع, وأيا كان الرأي في رئيس الوزراء ديسالين فإن من الصعب تحميله وحده عبء مشكلة قبائل الأورومو التي تعانى التهميش منذ أحداث 2015، وبعد أن أعلنت الحكومة حالة الطوارئ في أكتوبر عام 2016، لأننا إزاء مشكلة تغوص أسبابها في عمق المجتمع الإثيوبي يحتاج حلها إلى رؤية ديمقراطية توسع دائرة الحوار في المجتمع الإثيوبي بدلاً من إلقاء اللوم على أسباب غير صحيحة كما حدث قبل عدة أعوام عندما جرى اتهام مصر بتحريض الأورومو على التمرد ثم ثبت بعد ذلك أن الاتهام غير صحيح، وأن مصر لا شأن لها بأوضاع الداخل الإثيوبي وأوضاع الداخل في أي بلد عربي أو إفريقي، والأمر المؤكد إن مصر تنظر بقلق بالغ إلى الأوضاع الإثيوبية وترجو لو أن إثيوبيا خرجت من أزمتها الأخيرة أكثر قوة وتوحداً ؛ لأن إثيوبيا دولة إفريقية مهمة ذات طموح إقليمي متزايد، نجحت في غضون العقد الأخير في تحقيق معدلات تنمية عالية تجاوزت 10 في المائة، لكنها عانت الكثير من عدم الاستقرار الاجتماعي خلال السنوات الماضية بسبب مشاكلها القبلية التي تفاقمت مع تفاقم أزمة الأورومو أكبر القبائل عدداً وأكثرها تملكاً لأراضي إثيوبيا .
ولا ينكر ديسالين حاجة إثيوبيا إلى إصلاح اجتماعي ديمقراطي شامل يواكب نهضتها الجديدة، ويزيد من فرص استقرارها الوطني، خاصة أنها حققت بالفعل في فترة رئيس الوزراء “ملس زيناوي” نهوضاً اقتصادياً جعلها في مصاف الدول الإفريقية المتقدمة، ثم جاء توافقها الأخير على تسوية عادلة وشاملة لمشكلة مياه النيل مع دولتي المصب، السودان ومصر ليؤكد التزامها الواضح بإيجاد حلول إفريقية لمشكلات إفريقيا تساعد على تنمية الحوار والمصالح بين دول الجنوب بما يحفظ لإثيوبيا مكانتها ضمن دول الاتحاد الإفريقي, دولة رائدة تحافظ على علاقاتها الإفريقية ترفض الإضرار بمصالح أي من دول حوض النيل، تدرك أن علاقاتها مع مصر تشكل جزءاً مهماً من تاريخ القارة السمراء ينبغي تنميته حفاظاً على المصالح المشتركة سواء كان على رأس الحكم رئيس الوزراء السابق ديسالين أو شخص جديد يحظى بدعم شعبي واضح أو أحد رجال الحرس القديم الذين يمثلون أركان الدولة العميقة في إثيوبيا.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري