لا أعتقد أن محاولات الوقيعة بين الرئاسة والأزهر يمكن أن تمر أو تنجح رغم كثرة المحاولات وتعددها، لأن الأزهر باعتباره حصن السُنة المنيع لا يزال على اعتقاده الراسخ بوجوب إعلاء مكانة ولي الأمر، واحترام قراراته كي لا تصير فتنة، هي باليقين لن تكون في صالح الحكم أو الأزهر، يرفضها الجميع، العوام والخواص وفقهاء السنة على تعددهم، كما ترفضها الدولة المصرية التي درجت على احترام الأزهر، باعتباره منبر الوسطية والاعتدال والمرجعية الأساسية للسُنة، وكما درج شيوخ الأزهر الأجلاء على امتداد تاريخ الأزهر العريق على احترام هذه الثوابت في العلاقة بين الأزهر والدولة المصرية، درج الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب على هذا النهج، الذى يُشكل التزاما واضحا عبر عنه الشيخ الجليل مرارا بالقول والفعل.
ولا أظن أن من حق أحد أن ينسى أو يتناسى جهود الشيخ أحمد الطيب التي حالت دون أن تتمكن جماعة الإخوان من اختطاف الأزهر الشريف، وكانوا على وشك الفعل وتنصيب إمامهم القرضاوي في هذا المنصب الجليل لولا شجاعة الشيخ أحمد الطيب، الذي وقف أيضا ضد عسكرة الأزهر عندما منع الاستعراض العسكري للجماعة في إحدى الكليات الأزهرية، ولماذا نذهب بعيدا وقد كان الشيخ الجليل واحدا من أبطال ثورة يونيو التي خرجت في شوارع كل المحافظات المصرية تطالب بإسقاط حكم المرشد والجماعة في تظاهرة ضمت ما يقرب من 40 مليون مصري!.
وكما درج شيوخ الأزهر على احترام ثوابت العلاقة بين الأزهر والدولة المصرية، حافظ الرئيس السيسي على تقديره واحترامه العالي لمؤسسة الأزهر ودورها المستنير في تعزيز وسطية الإسلام واعتداله، وأشاد بدور الأزهر مرات عديدة وامتدح دعواته المتكررة إلى التسامح والاعتراف بالآخر والأخوة الوطنية التي ينبغي أن تُكلل العلاقة بين أقباط مصر ومسلميها كي يشكلوا أسرة مصرية واحدة، ولا يخدش العلاقة بين الأزهر والدولة المصرية التي تقوم على الاحترام المتبادل، أن يطمح الرئيس السيسى إلى المزيد من اجتهادات علماء الأزهر في تطوير الخطاب الديني، خاصة أن المطلوب بالفعل هو إعادة فرز الكثير من تراث الفكر الإنساني الإسلامي، الذي يشوبه الكثير من الخلط بين الخرافة والبدع وحقائق الغيب التي وردت في النص الإسلامي، خاصة أن غاية ما يطلبه المصلحون هو تحكيم العقل الإنساني في فرز الغث من السمين في هذا التراث الإنساني الذي يُحتمل إعادة التأويل والتفسير وفقا لمتغيرات العصر وضروراتها.
وكالعادة، اندفع أصحاب المصالح الصغيرة ليصوروا الأمر وكأنه خلاف على السنة، رغم أن السنة هي أكثر المذاهب الإسلامية تحذيرا من خطأ الخروج على الحاكم درءاً لأخطار الفتنة في ظروف جد عصيبة، كما تصور البعض الآخر أن الظروف مهيأة لفتاوى غير مدروسة لم يرد بشأنها نص قرآني حول أحقية المرأة في المساواة في الإرث مع الرجل، مع أن النص القرآني واضح ومباشر لا يداخله الشك يعطي أسبابا واضحة لهذا التمييز بين الرجل والمرأة في الميراث، ورغم سكوتهم المريب على العدوان على حق المرأة في الميراث الذي يكاد يلزم جميع أسر صعيد مصر رغم وجود نص قرآني واجب التطبيق، هدفهم من ذلك أن يزداد الخلاف عمقاً وتتباعد المسافات بين الأزهر والدولة المصرية وهو “عشم إبليس في الجنة” الذي لن يتحقق أبداً، والغريب في الأمر أن يجزم البعض بأن فتوى المساواة بين المرأة والرجل في الميراث ما كان ممكناً أن تصدر عن صاحبها، دون إشارة خضراء من الدولة المصرية وهو أمر غير صحيح بالمرة، وإذا كانت تونس قد أقرت أحقية المرأة في ميراث يعادل ميراث الرجل فإن مصر بأزهرها الشريف ومرجعيته الكبرى للسنة في العالم أجمع لا تستطيع أن تقلد تونس ،لأن إقرار مصر مثل هذه الفتوى يشعل فتنة كبرى في العالم الإسلامي.
ورغم حبي واحترامي للإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب وتقديري الشخصي البالغ للجهد المحمود الذي بذله على مستوى العالم أجمع من أجل إظهار صورة الإسلام على حقيقتها الوسطية والمعتدلة التي تنادي بتعارف الشعوب وتلاقي الحضارات والأديان ـ فإنني لا أضع الشيخ الجليل فوق مستوى النقد والملاحظة، هذا حق البشر على البشر لكن عندما يقول أحد نواب البرلمان إن الشيخ الطيب واحد من خلايا جماعة الإخوان النائمة، فمن حق الذين يعرفون حقيقة الرجل ومواقفه أن يغضبوا لهذه النميمة الكاذبة، لأن الشيخ أحمد الطيب هو واحد من كبار المجددين في الدين الإسلامي.
الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري