مكرم محمد أحمد الاستثمار في الاستقرار

لا أعرف من في الجامعة العربية على وجه التحديد اقترح وصاغ عنوانًا لأول قمة عربية أوروبية هذا الشعار المهم الاستثمار في الاستقرار ليعبِّر عن شراكة جديدة ومسئولة تربط بين التكتلين العربي والأوروبي في المرحلة القادمة, تقوم على الشفافية والثقة المتبادلة والمصلحة المشتركة, وتخلو من الرغبة في السيطرة والفُرقة والتقسيم وتصدير القلاقل والمشكلات، وأظن أن موافقة الأوروبيين ـ على أن يكون هذا الشعار عنوانًا لقمة شرم الشيخ المشتركة التي تجمع بين 20 دولة عربية و28 دولة أوروبية جرى تمثيلهم في القمة على مستوى عالٍ ـ تعني تغييرًا كيفيًا في العلاقة بين التكتلين, ويعني رفضًا للنهج السابق الذي كان يقوم على إثارة الفتن والقلاقل في مناطق عديدة من عالمنا، بينها الشرق الأوسط والمنطقة العربية كي يَسهل السيطرة عليها، والأمر المؤكد أن الإدارة الأمريكية السابقة على عهد الرئيس الأمريكي السابق أوباما ومعها عدد من حكومات الدول الغربية هي التي استخدمت لأول مرة وبصورة علنية شعار الفوضى البناءة لإحداث تغيير في الشرق الأوسط والمنطقة العربية تقوده جماعة الإخوان المسلمين، بدعوى أنها جماعة دينية معتدلة، الأمر الذي ثبت كذبه, لضرب استقرار المنطقة وإسقاط الدولة الوطنية تحت شعار (الربيع العربي) الكاذب..، والاستثمار في الاستقرار يعني رفض أسلوب تصدير الفتن والقلاقل لإحداث تغيير بقوة الهدم والتخريب يُقوِّض أسس الدولة الوطنية ودعائمها ومؤسساتها, ويخرِّب الاستقرار الوطني لصالح الفوضى والخراب، ويعني عدم التدخل في شئون الآخرين والتأكيد على أهمية الحفاظ على الدولة الوطنية بدلًا من إثارة الفتن والقلاقل, ويعني أيضًا الرفض الكامل لمخططات جماعة الإخوان المسلمين التي ابتدعت العنف السياسي بكل أنواع جرائمه من الاغتيال إلى التدمير والتفجير وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق, كما يعني الالتزام بعدم استخدام جماعات الإرهاب أو تمويلها وتسليحها والامتناع عن تقديم كل صور العَون لها بما في ذلك إعطاؤها ملاذات آمنة..، وأظن أن النتيجة المنطقية لشعار الاستثمار في الاستقرار هي الرفض المطلق لنهج جماعة الإخوان في القفز على السلطة ولجوئها إلى التنظيمات السرية التي تمارس كل صور العنف, كما يعني إدانة أساليب آيات الله في إيران في تصدير الثورة وإنفاق ثروات الدولة والشعب على تمويل الحركات المسلحة على حساب ارزاق الناس, ويعني أيضًا رفض محاولات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استخدام داعش وغيرها من جماعات الإرهاب لتخريب جيرانه في سوريا والعراق كما فعل عندما فتح حدود بلاده لـ 45 ألفًا من المقاتلين الأجانب من أصول إسلامية, مكّنهم أردوغان من عبور الحدود التركية إلى داخل سوريا للقتال إلى جوار داعش جَهارًا وفي وضح النهار, كما يعني رفض محاولاته الأخيرة إحياء الفكر التكفيري والانقلابي لإمام التكفيريين سيد قطب واعتباره تراثًا إنسانيًا ينبغي الحفاظ عليه، بينما يتجه العالم إلى المزيد من التسامح ورفض التطرف والإيمان بحرية الاعتقاد واحترام مقدسات كل الأديان كما فعلت مصر عندما أقامت في العاصمة الإدارية الجديدة كاتدرائية المسيح إلى جوار مسجد الفتاح العليم, كما يعني (الاستثمار في الاستقرار) استهجان ورفض أساليب قطر في سوريا وليبيا والبحرين واليمن و فلسطين, واستخدام فائض الثروة التي مَنَّ الله بها على الشعب القطري من أجل تدمير مصالح شعوب عربية عديدة تحت دعاوى (الربيع العربي) الكاذب.

وحسنا أن ركَّز الرئيس عبدالفتاح السيسي في خطابه الافتتاحي لقمة شرم الشيخ العربية والأوروبية على هذه المعاني, وهو يُحذّر من خطر الإرهاب البغيض الذي يستشري كالوباء على استمرارية كيان الدولة الوطنية التي هي مفتاح الأمن والاستقرار، ودعوته المجتمع الدولى إلى مقاربة شاملة لمكافحة الإرهاب يكون بين عناصرها الأساسية وقف التحريض والامتناع عن تقديم كل صور العون وتمويل الجماعات الإرهابية، بما يحول دون نجاح مخططات إيران وتركيا وقطر في تخريب أمن الشرق الأوسط واستقراره، لأن أمن الشرق الأوسط يرتبط بأمن البحر الأبيض الذي تعيش على ضفتيه الشمالية والجنوبية الشعوب الأوروبية والعربية, ويفرض على التكتلين العربي والأوروبي مسئولية إقامة شراكة مسئولة, تحارب الإرهاب وتحرس أمن الشعوب العربية والأوروبية في الاستقرار والتنمية والحفاظ على الدولة الوطنية.., ومن المؤكد أن هذا ما قصده العاهل السعودي الملك سلمان وهو يطلب في قمة شرم الشيخ موقفًا دوليًا موحدًا لحمل الميليشيات الإرهابية وفي مقدمتها ميليشيات الحوثيين والدول التي تساعد الإرهاب وفي مقدمتها إيران على وقف ممارساتها العدوانية وتدخلاتها السافرة في شئون الدول الأخرى، والالتزام بقواعد حُسن الجوار والقانون الدولي، وأظن أنها الرسالة نفسها التي وجهها إلى مؤتمر شرم الشيخ دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي وهو يؤكد أن القرب الجغرافي للدول العربية مع دول الاتحاد الأوروبي يلزم الجانبين شراكة مسئولة لمواجهة التحديات المشتركة التي تهدد أمن الجانبين..، والواضح من النجاح الباهر الذي حققته قمة شرم الشيخ المشتركة، وحفز فيدريكا موجريني مسئولة السياسة الخارجية الأوروبية على المطالبة بدورية عقد القمة العربية الأوروبية المشتركة أن واحدًا من أسباب النجاح كما قال أحمد أبوالغيط أمين عام الجامعة العربية, الإعداد الجيد لهذه القمة الذي تطلب عملًا دؤوبًا وجادًا قامت مصر بالعبء الأكبر منه بالاشتراك مع الجامعة العربية استمرعامين ونصف العام, وتطلب من وزراء الخارجية العرب والأوروبيين خمس جلسات من نقاش جاد على امتداد هذه السنوات إلى أن تقرر عام 2018 الموافقة من حيث المبدأ على عقد القمة العربية الأوروبية وعلى طلب مصر استضافة هذه القمة، للدور المحوري الذي تلعبه مصر في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، واعترافًا من الجميع بأن مصر هي ركيزة استقرار وأمن الشرق الأوسط، كما أن تضامن السعودية التي ترأس القمة العربية مع مصر يمكن أن يحقق النجاح لهذه القمة المشتركة التي تنعقد ليس بهدف إصدار قرارات أو توصيات أو اتفاقات جديدة، ولكن بهدف تعظيم الفهم المتبادل والمشترك، وتوحيد المفاهيم, وتأكيد خطوط التسوية العريضة لعدد من مشكلات المنطقة في مقدمتها القضية الفلسطينية التي رغم وضوح مرجعيات حلها الصحيح المتمثلة في قيام دولة فلسطينية تعيش إلى جوار دولة إسرائيل في أمن وسلام عاصمتها القدس الشرقية، إلا أن عددًا من دول شرق أوروبا تراجع أخيرًا عن مواقفه من التسوية التي تقوم على دولتين تحت ضغوط أمريكية إسرائيلية، الأمر تطلب جهدًا مضاعفًا من أجل تثبيت مواقف الدول الأوروبية التي لا تزال تعتقد أن حل الدولتين هو الحل الوحيد الصحيح الذي يمكن أن يفتح أبواب التسوية السلمية، وإحقاقًا للحق لعبت أيرلندا الدور الرئيسي في تعزيز تمسك أوروبا بحل الدولتين .

والأمر المؤكد أن عقد القمة العربية الأوروبية لم يكن أمرًا سهلًا، فقد كان هناك الكثير من التردد الأوروبي لأسباب عديدة من بينها التردي العام في الموقف العربي، وملاحظات عدد من الدول الأوروبية على نظام الرئيس عمر البشير في السودان، واختلاف الأوروبيين خاصة فرنسا وإيطاليا حول سُبل حل الأزمة الليبية، وغياب موقف عربي موحد في قضية عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية، لأنه حتى تاريخه لم تتقدم دولة عربية أو مجموعة من الدول العربية بطلب عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة لاسباب و مشكلات عديدة، أبرزها عدم وضوح مستقبل العلاقات بين الحكم والمعارضة في سوريا، والاختلاف بين جميع الفرقاء السوريين حول المبادئ الأساسية التي يمكن أن تحكم دستور سوريا الجديد..، باختصار كان هناك الكثير من المشكلات العربية والأوروبية التي جعلت عقد القمة المشتركة أمرًا صعبًا، ومن المؤكد أنه دون جهود الدبلوماسية المصرية ما كان من الممكن أن تنعقد القمة المشتركة، الدبلوماسية المصرية هي التي شجعت الرئيس السوداني عمر البشير على أن يأخذ قراره الطوعي بالتنازل عن حضور السودان وحضوره الشخصي القمة المشتركة لصالح عقدها، والدبلوماسية المصرية هي التي حاولت وتحاول تقريب المسافات بين الموقفين الفرنسي والإيطالي الذي أعاق طويلًا وكثيرًا فرص تسوية الأزمة الليبية، فضلًا عن جهود مصر المستمرة من أجل تحقيق وحدة الصف الفلسطيني، وتحقيق المصالحة الوطنية بين فتح وحماس، وهو أمر ضرورى لحفز الأوروبيين على التمسك بحل الدولتين ودونه يصعب أن يتحقق النجاح المأمول للقضية الفلسطينية.

والأكثر أهمية من كل ذلك، أن الجميع يعرف أن القوة العالمية الأساسية القادرة على إلزام قطر وتركيا جادة الصواب, وطلب امتناعهما عن تمويل جماعات الإرهاب أو إعطائها ملاذًا آمنًا ووقف تسليحها هي الإدارة الأمريكية التي تملك أدوات عديدة للتأثير في موقف الدولتين، تركيا وقطر، لكن الإدارة الأمريكية للأسف لا تفعل ذلك رغم اعترافها السابق بما تقوم به قطر وتركيا من عمليات تمويل وتشجيع جماعات الإرهاب، وبينها داعش والقاعدة وجماعة النصرة ورغم إقرارها بصورة علنية أكثر من مرة بالدور المخرب الذي تلعبه قطر وما من سبب واضح للموقف الأمريكي سوى غياب قوة ضاغطة تلزمها بهذا الموقف الأخلاقي, وبصراحة ربما لا تكون هناك قوة سياسية ذات وزن كبير قادرة على إقناع الولايات المتحدة بممارسة مسئولياتها حفاظًا على الأمن والسلم الدوليين وإلزام كل من قطر وتركيا بالامتناع عن أي عمل إرهابي وتحقيق هذا الهدف سوى القمة العربية الأوروبية المشتركة، وتدورالآن في كواليس القمة المشتركة مناقشات مهمة حول أفضل السبل لإقناع الولايات المتحدة للقيام بهذا الدور لإنقاذ العالم من إرهاب بغيض يدمر الأمن والاستقرار ليس في الشرق الأوسط أو المنطقة العربية وحدهما ولكن في العالم أجمع.. باختصار ليس هناك سوى القمة المشتركة تقدر على تعليق الجرس في رقبة القط الأمريكيِّ.

شاهد أيضاً

ستة أعوام ثَرية بالإنجازات لصالح تمكين المرأة المصرية بقلم أ.د. غادة عامر

منذ بداية الدولة المصرية لعبت المرأة دوراً مُهماً في المجتمع المصري، وكان لها مكانة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *