عد أربعة عقود من دعم تجار البازار في إيران للثورة الإسلامية ونظام حكم آيات الله، ها هو البازار يشق عصا الطاعة على نظام الملالي، ويغلق أبواب المتاجر في معظم المدن الإيرانية في إضراب شامل احتجاجاً على سوء الموقف الاقتصادي، وانهيار سعر الريال الإيراني مقابل الدولار، حيث بلغ ٩٠ ألف ريال مقابل دولار واحد، معيداً للأذهان انضمام البازار إلى حركة المحتجين على نظام الشاه الذي شكل العامل الحاسم في نجاح الثورة الإسلامية ورحيل الشاه عن البلاد.
وتكشف انتفاضة البازار مدى غضب الشارع الإيراني من أساليب معالجة حكومة الرئيس حسن روحاني لمشكلات إيران الاقتصادية وعجزها عن مواجهة زيادة نسب التضخم الذي جاوز ٢٠%، كما يكشف احتجاج الإيرانيين عن سيطرة القبضة الأمنية وكبْتها المستمر للحريات العامة والخاصة، لكن تفاقم المواجهات يعكس أيضاً رفض الإيرانيين المتزايد لخطاب المرشد الأعلى علي خامنئي الذي يصر على تحميل قوى الخارج مسئولية سوء الأوضاع المتفاقمة في الداخل، بينما يتزايد هتاف الغاضبين يطالبون بإسقاط النظام وتنحي المرشد الأعلى وخروج القوات الإيرانية من سوريا، ويرفعون شعارات “اخرجوا من سوريا” و”فكروا فى أحوال الناس”، كما نشر ناشطون مقاطع وصوراً تُظهر هجوم قوات الأمن على المتظاهرين بالقرب من سوق الذهب في طهران الذي أغلق محاله وانضم إلى المحتجين حيث أطلق الأمن عياراته المطاطية ضدهم.
وفي أصفهان وسط إيران انضم البازار وهو أكبر أسواق إيران إلى الإضراب العام، كما أغلق سوق الذهب محاله في تبريز، ويشكل إغلاق البازار في طهران حدثاً مهماً وكبيراً لم يتكرر منذ انتفاضة ١٩٧٩ على الشاه، ويتألف البازار الكبير من ٤٠ ممراً مترابطاً، تغطى مساحة تبلغ ١٠ كيلو مترات مربعة، تنقسم إلى ٢٠ قسماً، كل قسم يختص بتجارة معينة، من متاجر الأغذية إلى معارض السجاد وورش الذهب والمجوهرات وكل ما تحتاجه العاصمة طهران التي يربو عدد سكانها على ١٥ مليون نسمة، فضلاً عن ٦ مساجد و٣٠ فندقاً و٢٠ مصرفاً و١٣ مدرسة، ويمد البازار رجال الدين الشيعة وبينهم الإمام بخمس أرباحهم كل عام، ومن دون ضريبة الخمس لم يكن لرجال المذهب الشيعي أن يتمكنوا من المحافظة على مكانتهم عبر التاريخ الإيراني.
وتعتمد أكثر من ٥٠٠ جمعية خيرية إيرانية على الدعم المقدم من البازار، والأهم من ذلك أن البازار الكبير هو مصدر العمالة لأكثر من ٦٠٠ ألف إيراني، ولأن عمر البازار يربو على ٤٠٠ عام منذ الحقبة الصفوية، ثمة تقاليد راسخة تنظم العلاقة بين البازار والحكم وبين البازار ورجال المذهب الشيعي، والأمر المؤكد أنه لولا الدعم المالي القوي من جانب البازار لآيات الله والمرشد الأعلى لما تمكنوا من بسط سيطرتهم على إيران طوال ٤ عقود، وقد تكون الصراعات الحالية جزءاً من صراع السلطة، حيث يُحمل المحافظون الرئيس حسن روحاني مسئولية الوضع الاقتصادي إلى حد الحديث العلني عن ضرورة استجواب روحاني، لكن أغلبية الإيرانيين يحملون المرشد مسئولية تردي الأوضاع، ويرون أن الاحتجاجات الأخيرة تمثل البداية لعديد من الاحتجاجات المقبلة على تردي الأوضاع بسبب موقف المصارف الدولية التي بدأت الانسحاب من إيران، مما أدى إلى قطع الشرايين التي تربط إيران بالعالم الخارجي، وعزوف القوى الأجنبية عن التعامل مع طهران خوفاً من أن يتم استبعادها من النظام المالي العالمي، ويبدو أن الجميع بما في ذلك الهند والصين يخططون لتقليص عملياتهم التجارية مع إيران، وقد أعلنت شركة النفط الهندية خفض وارداتها من البترول الإيراني، وتسير المصافي الأوروبية التي تشتري ثلث صادرات النفط الإيراني في اتجاه الهند بسبب امتناع المصارف الدولية عن التعامل مع إيران، وقد انعكس هذا الوضع الاقتصادي المتدهور على المصدر الأساسي للعملات الأجنبية في إيران، حيث تراجع إنتاج إيران من ٢.٧ مليون برميل إلى ٢.٢ مليون برميل، ويبدي الخبراء مخاوفهم من أن يؤدي انهيار الوضع الاقتصادي إلى انهيار نظام الملالي لأن أزمة إيران الراهنة ليست مجرد أزمة اقتصادية، كما أن الاحتجاجات تشير إلى غضب ضخم يتجاوز الأزمة الاقتصادية، فضلاً عن أن البيانات الحكومية ذاتها تشير إلى وجود ١٢ مليون إيراني في حالة فقر مدقع يصل إلى حدود المجاعة، بما يؤكد وجود أسباب حقيقية للثورة على نظام الملالي.
جريدة الأهرام
المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام – الموقع الرسمي الموقع الرسمي للمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام المصري